هويات كثيرة وحيدة واحدة
105 pages
Arabic

Vous pourrez modifier la taille du texte de cet ouvrage

Obtenez un accès à la bibliothèque pour le consulter en ligne
En savoir plus

هويات كثيرة وحيدة واحدة

-

Obtenez un accès à la bibliothèque pour le consulter en ligne
En savoir plus
105 pages
Arabic

Vous pourrez modifier la taille du texte de cet ouvrage

Description

ما هي حقيقة المخاوف على تركيبة لبنان السياسية القائمة على التوازنات الطائفية، والتعايش بين أيديولوجيات يصعب التوافق في ما بينها.+++ كيف سقط لبنان في أيدي الميليشيات المتصارعة؟ وكيف تعاطى مع مشكلاته الداخلية، وماذا طرأ من متغيّرات على صيغة الحكم بعد مرحلة الطائف؟ وما هي مدلولات تظاهرة 14 آذار 2005 في سياق التجاذبات السياسية المحلية والتموضع الإقليمي والدولي؟+++ يطرح هذا الكتاب بجرأة وموضوعية أسباب المعضلة اللبنانية والعجز عن استنباط الحلول لها. ويعرض الخيارات الممكنة للخروج من دولة الطوائف إلى الدولة الحديثة المرتكزة على المؤسسات والمواطنية وحق الاختلاف.

Sujets

Informations

Publié par
Date de parution 01 janvier 2007
Nombre de lectures 0
EAN13 9786144253304
Langue Arabic

Informations légales : prix de location à la page 0,04€. Cette information est donnée uniquement à titre indicatif conformément à la législation en vigueur.

Exrait

هذا الكتاب مُجازٌ لمتعتك الشخصية فقط. لا يمكن إعادة بيعه أو إعطاؤه لأشخاصٍ آخرين. إذا كنت مهتمّاً بمشاركة هذا الكتاب مع شخصٍ آخر، فالرجاء شراء نسخة إضافيّة لكل شخص. وإذا كنتَ تقرأ هذا الكتاب ولم تشتره، أو إذا لم يُشترَ لاستخدامك الشخصي، فالرجاء شراء نسختك الخاصّة. شكراً لك لاحترامك عمل المؤلّف الشاق.
© حسام عيتاني، 2007، 2011
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الورقية الأولى، 2007
الطبعة الإلكترونية، 2011
ISBN-978-614-425-330-4
دار الساقي
بناية النور، شارع العويني، فردان، بيروت. ص.ب.: 5342/113. الرمز البريدي: 6114 - 2033
هاتف: 866442 1 961، فاكس: 866443 1 961
e-mail: info@daralsaqi.com
يمكنكم شراء كتبنا عبر موقعنا الإلكتروني
www.daralsaqi.com



مدخل
أقنعت الحاجّة سهيلة أمّي أن توليها تعليمنا أصول الدين لأنه لا يجوز، بحسبها، أن يتربّى الأولاد بين المسيحيين في حين أن الأب غير مبال والأم منهمكة برعاية البيت والاهتمام بالوليد الجديد. والحاجّة سهيلة امرأة عجوز تزوجها جدي الحاج حسن العيتاني لتخدمه في آخر أيامه بعد وفاة جدتي سعدية الداعوق التي لم نرها. فأدخلها جدي المؤذن السابق في جامع الحمراء والفران بين الفينة والأخرى والمتبطّل في أكثر الأحيان، إلى دوامة نزاعات مع عماتي وأزواجهن سببها مسائل الارث وتقسيمه والاستفادة من مردود إيجارات هزيل.
والحاجة سهيلة التي اعتدنا أن نطلق عليها لقب «تيتا الحاجّة»، لأن أبي، محمد، وأمي، وفيقة قدماها لنا في أعوام طفولتنا الأولى على أنها جدتنا، فاستخدمنا اللقب الذي ميزناها به عن والدة أمي أي «تيتا أم محمود»، امرأة قصيرة القامة ظلت عانساً إلى أن دلّ أحد أولاد الحلال جدي، بعد وفاة زوجته سعدية، إلى منزل أهلها في زقاق من متفرعات الطريق الجديدة، فتزوجها أبو محمد، أي جدي، وجاء بها إلى محلة عائشة بكار حيث كان يشغل الطبقة الأرضية من مبنى مؤلف من ثمان طبقات قايض به أرضه في زقاق الحمراء مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. والطرف الآخر في المقايضة محامٍ ماروني من الكحالة فاز في دورات نيابية عدة. وما زالت المقايضة هذه مضرب مثل في محلتنا حتى اليوم، على السذاجة التي يقع بها أُمّي يأخذه منظر بناية مرتفعة تخفي ما تخفي من المشكلات القانونية والعقارية، فيتخلى في مقابلها عن عقارات كان قد بدأ سعر ترابها يصبح بسعر الذهب مع بداية انتقال المركز التجاري والترفيهي للعاصمة من وسط المدينة إلى شارع الحمراء. وفي مقابل جدي الذي أصبح مضرب المثل في السذاجة، يقال أن المحامي قد استثمر مردود أرضه الجديدة في تكريس نفسه رجلاً سياسياً، لم تأتِ كتب التاريخ على ذكره إلا كنائب قليل الحظ من الأهمية.
أما الحاجّة سهيلة، فقد كانت في عمر لم يعد فيه من السهل اكتشاف مواطن الجمال كما أنني عندما كنت أراها قبل أن تغادر هذا العالم، لم أكن في عمر يخوّلني إصدار أحكام في علم الجمال الأثري. فصبي في الرابعة أو الخامسة من العمر يصعب عليه التكهن ما إذا كانت هذه المرأة التي جاوزت الستين تمتلك بقية من جمال. إلا أن ما أذكره جيداً هو وجهها الشديد البياض وعيناها الزرقاوان وسبابتها ذات الثنيات الكثيرة، تحركها على صفحات المصحف، وهي تقرأ لنا القرآن، أو تتلو بعض الآيات عن روح جدي. وكان هناك شيء لافت في رائحتها التي ما زلت أذكرها كلما دخلت إلى مسجد أو اشتممت قطعة من الصابون البلدي. رائحة تنم عن نظافة من دون افتعال أو تصنّع، وإذا حاولتُ أن أستعيد تفاصيلها أرى نفسي تحت أغطية دافئة في ليلة شتاء عاصفة وصوت الحاجّة سهيلة يرتل: «قل هو الله أحد».
ومفهوم أن تكون امرأة كهذه قليلة الخروج من المنزل، وهو السبب الذي رجحت أمي أن يكون قد أعطاها ذلك البياض. لكنها في روحاتها وغدواتها كانت تلتزم ارتداء زي انقرض من بيروت، وهو عبارة عن غطاء على الوجه يسمى «الفيشة» وتنورة طويلة حتى الكاحلين تضبطها عند الخصر بخيط مطاط، وسترة توضع على الكتفين تدعى «الملاية» في حين يدخل الكمّان اليدين كل على حدة. واللون الوحيد للملابس هذه هو الأسود. وإذا عرّجت الحاجة علينا قبل أن تهبط إلى بيتها لتخبر أمي وأبي ما تعانيه مع عماتي بعد وفاة جدي، ترفع الغطاء عن وجهها فيتخذ شكلاً قريباً من أغطية الرأس التي تظهر على التماثيل وفي الرسوم الفرعونية، وفي أعوام طفولتنا، أي في أوائل السبعينيات، وُجدت في حيّنا امرأة أخرى واحدة فقط ترتدي ما كانت ترتديه الحاجة سهيلة وكانت إحداهما على معرفة وثيقة بالأخرى، وتتبادلان الزيارات، فأطلقنا على المرأة الثانية لقب «رفيقة الحاجة» بعدما استعصى علينا حفظ اسمها، كما كنا نستطيع أن نتعرف إليها بسهولة أثناء سيرها في الشارع برغم أنها تشبه الحاجة سهيلة في الطول والشكل المخروطي (المحير) للجسم، وبرغم أنهما تضعان كمية من السواتر القماشية بما يحول دون أن تخترقها نظرة الغواية، إنْ وجدت، من جانبي الساتر، وذلك تمسكاً بمقاييس زمن كان فيه للنظرة بين رجل وامرأة دلالة وخطر.
لم تتأخّر الحاجة سهيلة علينا بدروس الدين بعد حديثها مع أمي، فكانت تصعد إلى منزلنا في الطبقة السادسة (في مبنى لم يعترف مهندسه بأهمية المصعد الكهربائي)، حاملة معها مصحفها في بيته القماشي، بعدما أبدت عدم رضاها عن مصحف والدي المملوء بالملاحظات التي كان يدونها على الهوامش بقلم الحبر الجاف مضمّنها آراءه في السور القرآنية وملاحظاته عليها، من دون مراعاة منه لما قد تعتبره الحاجة قلة احترام لكتاب ا؟. المهم أن الحاجة سهيلة، وككل معلم للقرآن يعرف أولويات عمله، قررت أن تبدأ معنا من البداية، من سورة الفاتحة. فكانت تُجلس إلى يمينها أخي الأكبر حسن وإلى يسارها أختي ريما وتبدأ بعد البسملة: الحمد الله ربّ العالمين... فيعيدها الطفلان بعدها وأتدحرج أنا محاولاً تقليد شقيقيّ، قرب قدميها أو قدمَي أمي التي تراقب وهي تحوك الصوف، عملاً كان في اعتقادها أن والدي قد أهمله، على عادته في إهمال الأمور الجسيمة. كانت التلاوة التي سعت الحاجة إلى تفسير معانيها لنا بما أوتيت من معرفة، تفتح علينا أبواباً من المطالب والتحذيرات والنصائح التي افترضت أمي والحاجة سهيلة أنها ستسدّ فراغاً تركه أبي، بإهماله المعهود، لتتسلل منه بحسبهما أخطار لم يراعها.
واكتشفت، ربّما بعد الدرس الأول أو الثاني للحاجة في منزلنا، أن أبي ليس في منأى عن أمور الدين، وهو مكبّ على ترجمة كتاب يعلم الصلاة من العربية إلى الفرنسية لحساب دار نشر بيروتية. كما سأكتشف لاحقاً أنه مؤلف كتابين قدّم في أولهما تفسيرات ماركسية للنص القرآني، وبحث في الثاني الدعوات إلى الكفاح المسلح في الإسلام، وأن الهوامش التي دوَّنها على المصحف لدواعي البحث، أثارت استياء الحاجة. وعندما لم أستطع أن أعرف موقف والدي بالضبط من الدين، أهو ضد آراء الحاجة سهيلة وأمّي أم معها، قررت ترك الأمر لصعوبة المسألة متقبلاً ما يقال من الجانبين من دون نقاش أو أسئلة تزيد الغموض غموضاً، في «لا إدرية» عفوية تليق بمن يعجز عن استيعاب ما لا قبل له به.
خلاصة القول في «الخلاف الأيديولوجي» بين والدي والحاجة سهيلة، أن سياسة أبي لم تكن لتروق الحاجة سهيلة ولا أمي التي وإنْ كانت تعرف، وهي تلميذة مدرسة الراهبات الكرمليات في بيروت سابقاً ـ وهذه حكر على بنات البيوتات الميسورة في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته ـ أن لا مفرّ من تسجيل الأبناء في مدرسة إحدى الارساليات الأجنبية أو في مدرسة مسيحية محلية، فذلك يجب ألاّ يعني قلة اكتراث الأهل لإرشاد أبنائهم إلى الدين القويم. وكان الأهل إذا أرادوا أن يحظى الأولاد بشيء من لغة أجنبية ومن علوم، سعوا إلى إلحاقهم بالمدارس المسيحية، نظراً إلى الصورة غير المرضية التي كانت عليها المدارس الإسلامية، وإلى ضيق مدارس الإرسالية العلمانية الفرنسية عن استيعاب كل الراغبين في الانضمام إليها. المدارس الرسمية أو «المعارف»، لم تظهر كخيار قابل للنقاش أصلاً، بسبب ضعف مستواها العلمي الموصوف وهو ما سأعانيه طوال سبعة أعوام أمضيتها في واحدة من تلك المدارس في المرحلتين المتوسطة والثانوية.
وبرغم اعتزاز أمي الكبير بتتلمذها في مدرسة الراهبات الكرمليات حيث كانت تذكرنا بهذه الحقيقة كلما مررنا أمام باب مدرستها السابقة والواقعة في شارع فردان، فهي ليست من النوع المتراخي إزاء محاولات «تضليل» أبنائها. وهي، وإنْ شعرت بالأسى عندما علمت بمحنة المدرسة وانتقالها إلى خارج بيروت بعد نهاية الحرب الأهلية وبعدما دخلت أمي أعوام الشيخوخة، وتحول مباني المدرسة إلى مقر لهيئات المساعدات والخدمات الإجتماعية التابعة لرئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري وأسفها لاختفاء الراهبات من مشهد شارع فردان القريب إلى بيتنا، لم تتراجع البتة عن اعتبارها تعيين «مُدرِّسة خصوصية» لتلقيننا أصول ديننا، عملاً ضرورياً في ذلك الوقت.
فقد كان على الآباء والأمهات المسلمين والمتمسكين بأهداب الدين أن يجدوا طريقة ما لضمان بقاء فلذات الأكباد في حياض الإسلام. والحاجّة سهيلة نموذج انتشر في البيوت البيروتية بكثرة، بغية سد الفراغ القائم بين تعليم أساسيات الدين ونقلها إلى الأطفال الذين استطاع أهلهم إرسالهم إلى المدارس المسيحية غير المعنية، بطبيعة الحال، بنشر التعاليم الاسلامية، وبين العلوم التطبيقية واللغات الأجنبية.
المدرسة التي كنت أقصدها أنا وأخوتي، تتبع الطائفة الأرثوذكسية، وكانت ملتزمة تماماً جميع الطقوس وتوجيه التلامذة إلى الكنيسة منذ أعوامهم الأولى فيها. فتقطر معلماتنا أطفال صفوف الروضات إلى الكنيسة مرة في الأسبوع ويتولين إجلاسهم في المقاعد الخلفية لحضور قداس أو عظة أو مناسبة دينية ما، يصادف الاحتفال بها في ساعات الدراسة. وتعبق الكنيسة دائماً برائحة البخور وتستقبل نسوة يصلن إليها أحياناً حافيات وفاءً لنذور قطعنها. وقد بدت الكنيسة لي أنا الطفل في أعوامه الأربعة أو الخمسة، هائلة الأبعاد إلى أن لاحظت عندما مررت بالقرب منها قبل أعوام قليلة، أنها شديدة التواضع.
وأكثر ما دعانا إلى العجب هو قيام الخوري برشّ الماء علينا من «ضمّة البقدونس» كما كانت تسميها أمّي. فنثر الماء المقدس على الأطفال في كنيسة أرثوذكسية كان يثير سخرية أمّي التي توضح لنا، أثناء جلسات بعد الظهيرة المخصصة لإبلاغها بما صادفناه أثناء النهار، أن المسيحيين يعبدون الأصنام. «فالصور» في الكنيسة ليست إلاّ أصناماً يجب علينا ألاّ نقبّلها كما يفعل أترابنا المسيحيون. لكنني لم أكن أجد في نفسي الشجاعة الكافية لرفض تقبيل «الصورة» عندما يقدمها الخوري نحوي أو الامتناع عن تناول القربان الذي نقف في الصف أمام رجل الدين ذي اللحية المشذبة والوجه العبوس والذي تأمرنا عيناه بالصمت عندما يبدأ التلامذة بالضحك إذا أصابهم رذاذ الماء المقدس. وللمناسبة، لم تر أمي مانعاً من تناول القربان الذي لا يزيد على كونه «بريوش» أي قطعة من المعجنات يرش السكر على وجهها وتؤكل كحلوى. ولا أعرف بدقة ما هو المعيار الذي قررت أمي بناءً عليه، جواز تناول القربان وعدم جواز تقبيل الأيقونة، علماً أن المناولة أخطر بكثير في ترتيب الممارسة الدينية المسيحية من إبداء الاحترام للأيقونات. مهما يكن، كنت أشعر أن زيارة الكنيسة نوع من الترفيه والخروج من الصف للنزهة بين مباني المدرسة والنزول على سلم الكنيسة الكبير غربي شجرة الجميّز العملاقة التي تتوسط ملعب المدرسة، والتي اتخذتها إدارتنا رمزاً ودليل عراقة ورسوخ في هذه الأرض، لا يقبلان تشكيكاً أو نقاشاً.
الكنيسة التي فوجئت عند زيارتي الأخيرة إليها، بصغر حجمها، كانت مكاناً معتماً إجمالاً، وهذا ما يضفي على «العاملين» فيها قدراً من المهابة، خصوصاً الأرشيمندريت تريفون الذي يتولى عادة ترؤس القداديس المهمة، إضافة إلى إشرافه على إدارة المدرسة، في حين يُترك للخوري إيليا ترؤس المراسم في مناسبات أخرى. والخوري إيليا كان من الشخصيات «العادية» في المدرسة حيث يمكن العثور عليه دائماً في غرفته الصغيرة تحت درج مبنى القسم الثانوي، كما كان لا ينفك يتبارى وتلامذة الصفوف النهائية في قرع الجرس البرونزي الكبير و«تربيعه» قبل القداديس والأعياد على نحو كنا نعتقد أنه سيصيبنا بالصمم لقوته. وينشر الجرس الذي يترك حبله مربوطاً في مكان ظاهر في الملعب، نوعاً من البهجة عندما يقرعه إيليا قافزاً في الهواء وهو يمسك الحبل المنسحب إلى الأعلى نتيجة الترجّح الواسع للجرس، فتظهر طبقات الملابس الداخلية التي تخفيها عادة جبّة الخوري السوداء الطويلة. وكان التلامذة «الكبار» يشاركونه في قرع الجرس في ما يشبه الاحتفال واستعراض الرشاقة الجسدية. في حين كان الخوري يتولّى العمل منفرداً رافضاً أن يقترب أي كان من حبل الجرس عندما يقتضي الأمر قرعه حزناً لدى وفاة أحد أعيان الطائفة.
ويخرق عتمة الكنيسة ضوء شموع مركزة أمام الأيقونات الكبيرة التي أذكر منها واحدة فضية الإطار، تصوّر العذراء مريم تحمل يسوع طفلاً. فيما تنتشر أيقونات أخرى لحورايي المسيح وأخرى للقديس جرجس وهو يقتل التنين. وكان أبي يردد علينا قصة هذا القديس الذي أكد لنا أن أهالي بيروت يعرفونه باسم «الخضر»، وأن واقعة قتل التنين جرت في الخليج الصغير في بيروت، الذي يعرف باسم «السان جورج» حيث يقع الفندق الحامل الاسم عينه، تيمناً باسم القديس وبتخليصه أهل المدينة من الوحش الذي كان يداوم على إيذائهم. ومن قصص أبي أيضاً أن الكنيسة القائمة في مدرستنا شهدت لقاء مار الياس الذي تحمل المدرسة اسمه والإمام الأوزاعي الذي يقع مقامه اليوم في مكان ليس بعيداً عن الكنيسة والمدرسة. كان أبي يستفيض في رسم تفاصيل اللقاء بين القديسين وتناولهما ثمار الجميز، التي قدّمها مار الياس إلى الأوزاعي بعد قطفها من الشجرة التي لا تزال واقفة في باحة مدرستنا. ينجح أبي أثناء روايته تلك الأحاديث كل مرة باستثارة خيالنا وتحريك اهتمامنا بالمكان الذي نعيش فيه أكثر مما ينجح بإبلاغنا وقائع تاريخية لم يتسن له أو لي في الأعوام التالية، التثبّت من صحتها، وإن اتضح أن العديد من أهالي بيروت يرددونها.
قصة اللقاء بين الإمام والقديس من القصص التي يحملنا أبي فيها إلى عوالم من السحر والجنيات، الرائعات والكائنات المسحورة والأماكن الغامضة والكنوز المرصودة والوحوش المجنحة وبيضة الرخ الهائلة وأسماء رجال ونساء لم تهتم بهم كتب التراث كثير اً كعلي الزيبق (الزئبق) بطله الشعبي المفضل وهو، كما كان يقدّمه لنا، مزيج من اللص الصغير والمحتال المحلي والشخص القادر على الخروج من أي مأزق يقع فيه أو يخلقه له عسس السلطان الواقفون له في باب سعيه إلى الرزق.
وما زلت أعتقد أن سرده لي، وأنا لم أتجاوز بعد من العمر سبعة أعوام، ملحمة الالياذة بتفاصيلها وشخصياتها ومعاركها، عندما استيقظت مصادفة في قلب إحدى الليالي لأجده يعمل على طاولة المطبخ الخشبية، أغنى وأمتع بكثير من قراءتي اللاحقة للملحمة بإحدى ترجماتها العربية. وما زالت الأوصاف التي كان أبي يستخدمها لرسم الشخصيات ترن في أذني كأني أجلس الآن أمامه يرتشف شاياً صنعه بنفسه متسبباً بفوضى هائلة في أدوات أمي المطبخية، وأنا أستمع إلى مغامرات أخيل وهكتور وقصة هيلينا الحزينة.
لم تقتصر السهرات على الروايات الأدبية، بل كان يُشركني أحياناً في ما يترجمه. فإحدى السهرات خصصت للحديث عن انقلاب التشيلي وكيف قتل «الفاشست» الرئيس سلفادور الليندي والآلاف من مواطني ذلك البلد البائس. عبارة «الفاشست» سمعتها للمرة الأولى في تلك الليلة، ثم سمعتها مئات المرات في الأعوام التالية كلما كانت الحرب الأهلية في لبنان تقترب منا. وكان أثر قصة الليندي من القوة عليّ بحيث أنني رحت أبحث في خريطة العالم عن مكان التشيلي حتى عثرت عليه، شريطاً عمودياً طويلاً في طرف القارة الأميركية اللاتينية. كما ألصقت رسماً لألليندي يخاطب جماهير شعبه، ووراءه يرفرف علم بلاده، على درفة الخزانة التي أعطيت لي لأضع فيها كتبي، وهو ما كانت تفعله أمي عندما يبدأ أي من الأبناء «بفك الحرف» فتخصص له مكاناً لكتبه ودفاتره وأغراضه الشخصية. وقد ظلت صورة الليندي ملصقة على درفة الخزانة أعواماً طويلة تالية.
لم أكن لأنجو بعد سهرة «أدبية» أو «سياسية» من توبيخ أمي التي تتذمّر من صعوبة إيقاظي في اليوم التالي للذهاب إلى المدرسة، وكانت تحمّل أبي مسؤولية هذا السلوك غير المناسب لطفل يجب أن يكون جاهزاً في ساعة مبكّرة لتلقي الدروس.
من هذه الدروس ما كانت تلقيه علينا «الست أسما» العجوز صاحبة الحذاء ذي الكعب الفائق التروّس والذي كان يجعلها تبدو كمن يسير على إبرتين. و«الست أسما» مختصة في درس الدين (ولقب الست لتمييزها من «الديموازيل» (Demoiselle) أي المعلمة التي كانت ترافقنا في الدروس العادية، في حين لا أعرف تفسيراً لسبب عدم استخدام لقب «مدام» لدى مناداتها على غرار ما كنا نفعل مع معلمات أكبر سناً من «الديموازيلات»). أسلوب «الست أسما» في التعليم تلقيني بحت. نجلس نحن تلامذة صفوف الروضات حولها لتحدثنا عن السيدة مريم ويسوع المسيح والقديسين وتختم حديثها في كل مرة بإعلان اليوم الذي يُحتفل فيه بعيد القديس، موضوع الدرس. ولعلة ما، ربّما هي شدة الخوف من أسلوب المعلمة الصارمة والعابسة والطاعنة في السن إلى درجة يضعها في مصاف جدات التلامذة من دون أن تكون لها بشاشتهن، ما كنت لأفوت حرفاً مما تقوله. فأنا التلميذ الذي يحفظ كل قصص القديسين وأيام أعيادهم إلى الحد الذي أحظى فيه بفرصة لتلاوة قصة القديس في نهاية كل ساعة دراسية.
وعليه، كنت أنا وأخوتي واقعين في وسط مثلث من التأثيرات المتباينة: أبي وأفكاره الماركسية والأدبية، أمّي تعاونها الحاجة سهيلة ونزعتهما الإسلامية المحافظة والتقليدية، المدرسة المسيحية ودروسها التي تنضح يقيناً. وفي الوسع وصف التأثيرات وصفاً قد لا يخلو من اختزال بأن ما كان ينقله إلينا والدي يتركز على الحرية الشخصية والدفاع عن الحقوق في وجه المستغلين والمعتدين والانتباه إلى مفارقات الحياة وتناقضات أشخاصها. أما والدتي فتمثل الجهة المطالبة بالخضوع للأسرة وضروراتها وإيلائها الأولوية وعدم إظهار ما يناقض ثقافتها وتقاليدها ومعتقداتها وطقوسها الدينية والاجتماعية. في حين كانت المدرسة تفتح في أذهاننا صورة «الآخر» الذي لا يخفي استعلاءه علينا من خلال تقديمه العلم غير المتوفر في بيئتنا «الطبيعية» وبين ظهرانينا، نحن المسلمين.
وتسليم الأهل المسلمين أطفالهم إلى المدارسة المسيحية، برغم ما توصف به المدارس الأرثوذكسية من اعتدال مقارنة بما كان يحكى عن المدارس الكاثوليكية في تلك المرحلة، لم يكن يعني في ذهن الأهل غض الطرف عما يمكن أن يكوّن تحدياً لاقتناعاتهم أو لما يرونه ضرورياً من حفاظ على هوية الأطفال وحسن انتظامهم في مجتمعهم. فذات يوم عادت شقيقتي ريما من المدرسة قائلة إن بعض رفيقاتها ورفاقها المسلمين رفض ترتيل «الأبانا» صباحاً قبل بدء الدروس. فقد كانت العادة تقضي بأن يرتل التلامذة والمعلمة صلاة «أبانا الذي في السموات» التي كنا نتلوها باللغة العربية إذا كان اليوم الدراسي يفتتح بساعة اللغة العربية، أو بالفرنسية إذا كانت الساعة الأولى للغة الفرنسية، أي ما يعادل سورة الفاتحة في الممارسة الاسلامية، صبيحة كل يوم وقوفاً قبالة أيقونة كثيراً ما تكون لـ «سان جورج» (مار جرجس) أو «سان ايلي» (مار الياس) مرفوعة فوق الألواح في كل الغرف الدراسية. وبعد استفسار الأمّ عن الطريقة التي تصرفت بها المعلمة إزاء حالة العصيان هذه، وسؤال ريما عما فعلت هي، إذ تبين أن ريما انضمت إلى المتمردين، أوعزت أمي إلينا جميعاً بعدم ترتيل «الأبانا» في الأيام المقبلة. «وماذا نفعل عندما يرتل الصف؟» سأل واحد منا. «قفوا ولا تقولوا أية كلمة» جاء الرد.
في اليوم التالي، لاحظتُ عندما وقف الصف ليرتل «الأبانا» أن عدداً من رفاقي لم يرسم شارة الصليب كالمعتاد على وجهه ولم يضم كفيه ويصلي. فعرفت أن ما تحدثت به ريما أمس يتجاوز ما يجري في صفها، وأن عدوى التمرد قد انتقلت إلى صفنا وهو أدنى من صف شقيقتي بدرجتين. فما كان مني إلا أن امتنعت عن رسم شارة الصليب وأسبلت يديّ. وبعد أيام رأيت رفاقي المسلمين يرفعون أيديهم ويفتحونها على غرار من يباشر قراءة سورة الفاتحة. واستحسنت أمي هذا التصرف عندما أبلغتها ذلك، وطلبت منا أن نفعل الأمر ذاته في الأيام المقبلة. لم يكن للعصيان ما يتبعه. انتهى الأمر بأن أغفلت المعلمات الاشارة إلى المسألة برمتها وحتى عن الطلب من التلامذة المسلمين ترتيل «الابانا» مع رفاقهم المسيحيين.
وبمرور الأعوام اتضح أن مخاوف أمي والحاجة سهيلة من تأثير المدرسة المسيحية أقل شأناً بما لا يقاس من مخاوفهما من تأثيرات أبي. فأمي التي استطاعت تزويدنا «بمضادات» تقينا تأثيرات الكنيسة والمدرسة على إيماننا الذي تفترض أنه ولد معنا، لم تجد ما تواجه به ما يشيعه أبي من «تسيّب» في البيت اتخذ، في أعوام مبكرة من حياتنا، شكل الشعور بالانتماء الخالص والنهائي إلى قوة خيرة وجبارة تحمينا وتطمئننا، فرسخ في أذهاننا الطرية أن السعادة تكون في ما يقوله أبي عن هذا العملاق والضلال في ما تسعى أمي ونظيراتها ومن تستعين بهن من عجائز إلى إقناعنا به. هذه القوة لم تكن غير الاتحاد السوفياتي.
كانت الحافلة التي تنقلنا إلى المدرسة، تنتقل من البيت في عائشة بكار مروراً بكورنيش المزرعة وصولاً إلى المدرسة الواقعة في وطى المصيطبة. ويومياً كنا نهبط من «أوتوستراد القنال سبعة» أي الشارع الذي تقع فيه محطة التلفزيون التي كانت تحمل هذا الاسم قبل أن تصبح إحدى محطتي «تلفزيون لبنان»، لنمرّ أمام مكتب وكالة الأنباء السوفياتية «نوفوستي» حيث كان والدي يعمل مترجماً وحيث تقف عادة سيارة جيب «غاز» تستخدم لتوزيع منشورات الوكالة. ثم نتقدم عبر كورنيش المزرعة قبل أن ننعطف أمام السفارة السوفياتية نزولاً نحو المدرسة التي يقع بابها في نهاية الشارع الصغير الذي يفصل مبنى السفارة الكبير عن مبنى القنصلية السوفياتية. كنت أشعر بفخر عندما تسير حافلتنا المدرسية أمام مبنى السفارة ذي الأسوار العالية والمرصوفة عليه صور دعائية عن الاتحاد السوفياتي كثيراً ما كانت تبرز من بينها صور لتلميذات بشعورهن المجدولة وضحكاتهن الواسعة دليلاً على الأمل بالمستقبل المشرق الذي يبنيه المواطنون السوفيات لهم، ولشعوب العالم أو لعمال مفتولي العضلات واقفين قرب آلات خرافية الحجم. رحلة الحافلة التي لا تتجاوز مدتها الدقائق الخمس، كانت مجموعة من الأطفال من معقل للطائفة السُنيّة إلى مركز أرثوذكسي مهم، وبينهما مقر السفارة التي كانت أنظارنا تتحول إليها آلياً عندما نقترب منها خصوصاً عندما نعلم أن أبي قد شارك في الليلة السابقة في حفل استقبال أقيم فيها لمناسبة ثورة أكتوبر أو عيد العمال. إنه المثلث نفسه مرسوم على طرق المدينة. أمي في عائشة بكار. أبي في مكتب «نوفوستي». والاشمندريت تريفون في وطى المصيطبة.
إلى هذه التأثيرات، كان لمحيطنا المباشر لمسة شديدة الوقع. فالبيت الذي ولدنا فيه يقع على زاوية شارعي «الراشدين» و«أنيس النصولي» أي أوتوستراد القنال سبعة وشارع ضيق متفرغ منه. ويفصل الأوتوستراد بين البيت وحديقة التلفزيون (حديقة المفتي حسن خالد حالياً) التي كنا نمضي فيها ساعات طوالاً من أيام الإجازات الأسبوعية قبل أن تنهانا أمي عن النزول إليها من دون مرافقتها بسبب تدفق «أولاد الشوارع» إليها. تؤمّن الحديقة والطريق العريضة أمامها، للبيت متنفساً من جهة الشرق، يحول دون ارتفاع أية مبانٍ أمامه ارتفاعاً يحجب الشمس والهواء عنه. أما من ناحية الشمال فقام بالأمر ذاته إنما على نحو أقل، شارع «أنيس النصولي» وملعب مدرسة ابتدائية مجانية أكثر تلامذتها من أبناء فقراء المسلمين. وبين مقتنيات أمي صورة لها وهي تحمل أخي الكبير قبل أن ينهي عامه الأول وهما يقفان على الشرفة في الممر المفضي إلى غرف النوم، وتنفتح على جهة الجنوب ويبدو البحر من ورائهما ومبنى التلفزيون الواقف وحيداً على تلال رملية كنا نذهب إليها لنلعب على دراجاتنا الهوائية. أما اليوم فلا يمكن رؤية غير شرفات تنتشر عليها مكيفات الهواء في بناية ارتفعت بُعيد انتهاء الحرب، فحجبت كل ما تبقى من مشهد البحر والطريق الهابطة إليه والمباني الأليفة لتفرض على قاطني البيوت المجاورة، وبقلة ذوق أصبحت من المسلمات في السلوك العام، الاستماع إلى هدير مكيفات الهواء ليلاً ونهاراً.
بسبب تحفظات أمي عن كل نزولٍ غير معلّل إلى الشارع وارتفاع بيتنا ست طبقات، من دون مصعد كهربائي، وغياب أي تلاصق بين مبنانا وأي مبنى آخر على مألوف العادة في مباني العاصمة، تركزت حياتنا الاجتماعية في المبنى. فكان لنا من أبناء الجيران أصدقاء وأخصام خصوصاً أن أكثر الطبقات كانت تشغلها عماتي وأسرهن. وفيما كان مسموحاً نزول أبناء العمات إلى الشارع للعب، كانت فكرة أمي عن أوقات الفراغ بالنسبة إلى الأطفال تنحصر في اصطحابهم في زياراتها الاجتماعية إلى شقيقاتها وأمّها أي جدّتي أمّ محمود. أما مشاهدة التلفزيون نهاراً فلم تكن من الأمور الشائعة بعد، أو الواردة أصلاً، لأن البثّ التلفزيوني ما كان ليبدأ في تلك الأيام قبل الساعة السادسة مساءً، أي تقريباً في الوقت الذي يعود فيه أبي من العمل، أو بالأحرى من جولاته على الأصدقاء وعلى مكاتب صحيفة الحزب الشيوعي التي كان يكتب فيها زاوية يومية ساخرة.
زرع أبي في نفوسنا بذور رفض لا هوادة فيه لكل أشكال السلطة، وأدخل إدخالاً متواتراً لمفردات الاعتراض والتشكيك في لبنان وعلمه ونشيده الوطني «السخيف» وحديثه لزواره الكثر في تلك الأعوام ولأخوتي الأكبر سناً مني ولأمي عن «الطغمة المالية» و«دولة الأربعة في المئة» ـ أي نسبة أصحاب الثروات إلى عدد سكان لبنان وفق ما توصلت إليه بعثة «إرفد» الشهيرة في الستينيات من القرن العشرين ـ وصولاً إلى نشر نوع من «الحس النقدي» لكل شيء إلى درجة كان يفسد فيها علينا متعة مشاهدة المسلسلات الموصوفة بالكوميدية وخصوصاً التي تقدّمها فرقة «أبو سليم الطبل»، «السطحي والتافه» بحسب رأي أبي، وهو رأي لم يجد من يتقبله بين رفاقنا في المدرسة الذين يجلسون في الأيام التي تلي عرض حلقات «أبي سليم» كل فترات الفرصة الصباحية لتبادل النكات والقفشات التي يتذكرونها من حلقة اليوم السابق، في حين أشعر بالضيق والوحدة لأنني لا أستطيع المشاركة في هذا الحوار الضاحك والدائر على ما أقنعنا أبي بسخف مضمونه.
في موازاة بذور الرفض هذه تتبنّى أمّي نوعاً من الوطنية المحافظة. في أعوامي الأولى كانت قصتها المفضلة أثناء إطعامي هي قصة... الإستقلال. فتجلسني قربها تحكي لي كيف اعتقل «العسكر السنغالي» بشارة ورياض وزجّوا بهما في السجن في راشيا، وكيف أن الناس كلهم رفضوا أن يسجن العسكر الأجنبي رئيسيهم فعمت البلد التظاهرات وأقفلت المحال إلى أن أفرج الفرنسيون عن بشارة (الخوري) ورياض (الصلح) اللذين طلبا من الفرنسيين الرحيل هم وعسكرهم السنغالي. «وهل أقفلت المدارس أيضاً؟» كنت أسأل. «نعم. ولكن أياماً قليلة» تجيب أمي، خشية أن أبدأ باختراع الأسباب للبقاء في البيت. وبين ترحيل بشارة ورياض إلى راشيا وعودتهما إلى بيروت وسط فرح الأهالي، أكـون قد أنهـيت مـا فـي الصحـن من دون أن أنتبه، ومن دون احتجـاج على ألـوان الطـعام.
ولو أردت اليوم أن أقوم بمهمة وضع أمي في خانة سياسية محددة، لقلت إنها لم تكن طائفية بالمعنى السياسي ولا متزمتة دينياً، لكنها كانت أقرب إلى مزاج أعتقد أنه ما زال منتشراً في أوساط البرجوازية البيروتية التي كانت أسرة أمي تنتمي إليها قبل أن يصيبها الدهر بفقره، يشدد على إيجابية استقلال لبنان لكن مع بقاء علاقة ودّ فاتر بين الطوائف بما يكفي لتسيير الأعمال على أن يظل أبناء كل طائفة في أماكنهم من الوطن، ومن عملية توزيع الثروات. وكنت أشعر بضيق أمّي عندما يبدأ أبي بالحديث عن «أحزمة البؤس» وسكانها الشيعة والفلسطينيين فتقترح هي كحلٍ لمشكلاتهم، أن يعودوا إلى قراهم لأن أهل بيروت لم يطلبوا أن يهبط الشيعة إليهم. في المقابل، كنت أرى أنها وأخوالي، وهؤلاء موظفون من ذوي الرتبة المتوسطة في القطاعين العام والخاص، ليس لديهم ما يتذمّرون منه من أوضاع البلاد خلافاً للأسطورة التي رحت أصادفها تتكرر على مسامعي مع التقدم في العمر، والقائلة إن «العروبة» طبع أول لدى السُنَّة ومنهم البيارتة، وإن هؤلاء لا يمتنعون عن إثارة الاضطراب في ربوع الوطن كرمى لعين الوحدة العربية.
والحال أن جدي لأمي، عبدالحليم رمضان، امتلك محلاً كبيراً للحلويات في المكان القائم عليه اليوم سور الجامع العمري في وسط بيروت. وشهد المحل مرحلة طويلة من الازدهار والشهرة لدى متذوقي الحلويات العربية، جلبت البحبوحة إلى أسرة جدي الذي تمكن بذلك من توفير التعليم لأولاده بما يعلو عن مستوى جمهور السُنّة في بيروت، فضلاً عن مظاهر الوجاهة التقليدية كاستخدام ثلاث خادمات في البيت. وأخبرتنا جدّتي أم محمود مرات عدة أن أسلاف زوجها هم من الأتراك الذين جاءوا إلى لبنان للعمل في الإدارة العثمانية في بيروت التي راحت أهميتها تزداد منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأن واحدة من قريبات جدي ظلت حتى آخر أيام عمرها لا تحسن التكلم بالعربية. بل إن جدتي نفسها وهي من آل الحص، وهم من العائلات التي يعود أصلها إلى آل العيتاني، كانت توبّخنا عندما نفرط في الشيطنة في غرفتها الباقية لها من منزل الزوجية الذي احتلته أسرة خالي، قائلة بنبرة تصطنع الجدية وباللغة التركية «أدب يوك».
تجسّدت بعض ميول أمي «اللبنانية» في تفضيلها أغاني فيروز على الطرب المصري الذي كان أبي من محبذيه. فبينما رافق أمي جهاز ترانزيستور صغير مثبتة إبرته على موجة الإذاعة اللبنانية، أثناء عملها في المطبخ، كان أبي يواظب على شراء أشرطة محمد عبدالوهاب وأم كلثوم بعدما دخلت آلة تسجيل صغيرة إلى بيتنا في مطلع السبعينيات من القرن الماضي. إثر وفاة أم كلثوم في العام 1974، كان من الشدة على أبي بحيث بكي أمام أبنائه وتلك كانت المرة الأولى التي رأيته يبكي فيها. أم كلثوم رمز لمرحلة ولقيم اعتنقها عرب ولبنانيون، وموت المطربة نذير أفول هذه الحقبة وتلك القيم، ما في ذلك شك. وأستطيع أن أضيف إلى الكلام الفضفاض هذا، تعلقاً شديداً كان يبديه أبي بالصوت الذي سحر العالم العربي عقوداً مديدة. وتفضيل أبي الطرب المصري على اللبناني، منسجم مع اهتمام شديد بكل ما يصدر في مصر من إنتاج أدبي. فمكتبته تعج بمئات الأعداد من مجلة «الهلال» يعود بعضها إلى أربعينيات القرن المنصرم. كذلك كان يحتفظ بالكثير من أعداد مجلة «الطليعة» التي أصدرها جمال عبدالناصر لتضم المثقفين اليساريين الذين طووا صفحة الخلاف مع حكمه، هذا إضافة إلى المؤلفات الكاملة لطه حسين والصادرة عن إحدى دور النشر اللبنانية، والعديد من كتب توفيق الحكيم ومحمود عباس العقاد ومصطفى المنفلوطي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس وغيرهم. الاهتمام بالأدب والفن المصريين يؤشران عند أبي إلى ما كان رائجاً في المناخ الشعبي البيروتي، وبين سنّة المدن الساحلية عموماً، من ارتفاع أهمية العلاقة مع مصر والتأثر بما تقدمه على جميع الأصعدة التي لا يغيب عنها الصعيد السياسي.
واحتلّ جمال عبدالناصر حيزاً رئيساً في المشهد السياسي والاجتماعي البيروتي في تلك الحقبة. وإذ كنت لا أذكر من عهد جمال عبدالناصر إلا ليلة وفاته وما تبعها من جنازات رمزية وتظاهرات صاخبة، فإن وجوده كان طاغياً في النصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي في بيتنا وفي بيوت العديد من أقاربنا لناحية أبي، في حين أنه كان يعامل بقدر من الحذر مشوب بالتجاهل بين أقارب أمي.
وقد أحضرت لنا الحاجة سهيلة صورة كبيرة ملونة للرئيس الراحل ببزته العسكرية ورفعتها أمي بناءً على طلب الحاجة وتأييدنا في صدر غرفة المعيشة فوق جهاز التلفزيون. ولم تكف التظاهرات التي وقعت في بيروت وكنا نشاهد بعضها من سطح مبنى بيتنا المرتفع، قسماً منها وما يرافقها من تفجير لأصابع الديناميت في حديقة التلفزيون المواجهة لنا، وإطلاق «الفدائيين» النار من مسدساتهم وبنادقهم من وسط صفوف المتظاهرين، بل انتقل عبدالناصر الذي جاء موته كالفاجعة لأكثرية البيروتيين، قبل تحريره سيناء وأثناء أزمة سبتمبر/أيلول في الأردن، وبعد حملة شديدة عليه شاركت فيها الفصائل الفلسطينية وبعض قوى اليسار اللبناني لموافقته على مبادرة روجرز التي أوقفت حرب الاستنزاف، إلى مصاف الأساطير وبسرعة مذهلة. فعمتي تقسم أنها رأت وجهه على صفحة القمر والحاجة سهيلة حولت تلاوتها للقرآن من روح جدي إلى روح عبدالناصر، وراح أخي حسن الذي كانت تبرز لديه موهبة مبكرة وكبيرة في الرسم، ينقش صورة الراحل على جميع الأوراق التي تقع بين يديه. بل إنه نجح في شرح طريقة سهلة لرسم بروفيل عبدالناصر لريما ولي، فرحنا ننتج نسخنا التي لا تتمتع بما كان موجوداً في رسوم حسن من رشاقة ووضوح.
وتوسم الناصريون في بيروت خيراً في خليفة عبدالناصر، أنور السادات، بُعيد تولّيه المنصب، فلم يجدوا ضرراً في إفراجه عن السجناء السياسيين ولا في «ثورة مايو» التي وضع السادات فيها حداً لنفوذ «مراكز القوى». أما والدي فكانت له آراء أخرى. فإزالة صور عبدالناصر من الأماكن العامة والتضييق على أنصار التيار اليساري في المواقع الحكومية وتمديد فترة الهدنة في حرب الاستنزاف، كانت في رأي والدي، أدلة على أن السادات يريد أن يخرج من الالتزامات التي قطعها عبدالناصر وفي صميمها التحالف مع الاتحاد السوفياتي وتعزيز التحوّلات الاشتراكية في مصر. وكانت الطامة الكبرى التي أكدت لوالدي أن الرئيس المصري يريد سلوك مسلك «الخيانة»، هي إبعاده المستشارين السوفيات في العام 1972.
هذه القضية أصبحت موضوع شدّ وجذب استمر شهوراً بين أبي والحلاّق بشير الذي كان أبي يصحبني أنا وشقيقي الأكبر حسن والأصغر فداء، إليه. تتلخص وجهة نظر بشير، المؤيد لعبدالناصر بالفطرة والذي تبيّن في أعوام الحرب اللاحقة، أنه غير منضوٍ في أي تنظيم ناصري على غرار عشرات الآلاف من البيارتة، في أن السادات والعرب عموماً سيخوضون الحرب على إسرائيل، وأن السوفيات «زادوها» وراحوا يتدخلون في السياسة المصرية، وأن السادات عمل خيراً بإبعادهم عن جيشه الذي يجب أن يتفرغ لعبور القناة وتحرير سيناء، وليس للسياسة التي يعود حق ممارستها إلى السادات حصراً. وبينما أكون أنا أو أي من أخوتي بين يدي بشير ومقصّه الحاد، يخطر في بال والدي أن يردّ على هذا الاستفزاز بأشدّ منه «سترى يا حاج بشير أن السادات ليس إلاّ عميلاً لأميركا وأنه أزال صور عبدالناصر وطرد المستشارين السوفيات ليرضى عنه الأميركيون ويقبلون به في الحل السلمي». والكلمتان الأخيرتان تكونان كافيتان ليصب بشير غضبه على الرأس الصغير أمامه: «جلّس راسك يا عمّو»، يقول مخاطباً واحدنا بنبرة قاسية. فترتسم على رؤوسنا الخلافات الشيوعية ـ الناصرية (قبل أن يخرج السادات من صف حواريي الرئيس الراحل ويختط لنفسه طريقاً أوصله إلى كمب ديفيد)، خلافات تترجم ثُغراً عميقة يظهر منها لون جلد الرأس في أماكن، وخصلاً طويلة لم يقترب منها المقص في أماكن أخرى. فنعود إلى البيت في منظر يثير الرعب في قلب أمّي التي سرعان ما تبادر أبي بالسؤال: «عشو كنتو مختلفين هالمرة؟»، وعن مبرر أن ندفع نحن الصغار من مظهرنا و«ترتيبنا» (وهذان من الأمور العزيزة على قلبها) ثمن الصراع المصري ـ السوفياتي، فنتحول إلى كائنات بتسريحات شعر مخيفة لا تنتمي إلى موضة «الخنافس» التي كانت سائدة حينذاك، ولا تدخل في عداد المعايير التي توافق أمي عليها. ردّ أبي على احتجاجات أمي يبدأ من تشريح الموقع الطبقي «البرجوازي الصغير» الذي ينتمي إليه بشير.
في رأي أبي أن بشير وطبقته «المتذبذبة» التي يبلغ أمّي بصوت خفيض كمن يكشف سراً، أن جمال عبدالناصر نفسه ينتمي إليها، عاجزة عن إكمال الصراع مع إسرائيل حتى نهاياته التي يفترض أن تكون نصراً للعرب وأن البديل ليس إلا المقاومة الفلسطينية وتحديداً أكثر القوى جذرية بينها، بشرط أن تعي أهمية التحالفات على المستوى العالمي، أي أن تدرك أهمية العلاقة مع الدول الاشتراكية التي تواجه الامبريالية في العالم... لم تكن أمي لتقتنع بتفسير كهذا سبباً للتشوّه اللاحق برؤوسنا، لكنها لم تملك إلا أن تهزّ رأسها في أسف ويأس. وبين ضآلة خطر احتجاج أمي وفصاحة أبي التي لم نكن نفهم الكثير من عباراتها، كنا ننحاز حكماً إلى أبي وأسلوبه في السخرية من بشير والسادات الذي دشّن أبي في تلك الأيام عادة وصفه بلقب «السيد قشطة» الذي اعتمده المعارضون المصريون ونقله أبي عنهم.
والحال أن أبي لم يكن يوماً شيوعياً متزمتاً. بل إن أصداء خلافاته مع مسؤولي الحزب كثيراً ما كانت تخرج إلى العلن. لقد كان له فهمه الخاص للالتزام السياسي لم يرض عنه دهاقنة التنظيم الحديدي السائد حينذاك في الحزب الشيوعي. فأبي شيوعي من خارج الأطر والمؤسسة الجامدة، لم يعنه كثيراً أن تتفق آراؤه مع تقارير الاجتماعات الموسعة للجنة المركزية. فحرصه على الإحاطة بالثقافة الغربية، على سبيل المثال، في مقابل إهمال واضح «للواقعية الإشتراكية» السوفياتية، كان من مآخذ أشدّ الحزبيين عليه، والتي رافقت حياته العاطفية (التي ظلت نشيطة حتى بعد أعوام طويلة من زواجه بأمي)، وهو الكاره جيمع أشكال الضبط والربط بدءاً من تربية أبنائه وصولاً إلى ترتيب مكتبته الخاصة.
ودرءاً لعدم فهمنا ما يقول أثناء النقاشات مع الحاج بشير أو مع زواره من «الرفاق»، اعتاد أبي أن يخصص لنا جلسات طويلة في مقهى الغلاييني حيث يقع فندق «موفنبيك» اليوم، وهو مقهى أحب إلى قلب أبي من مقهى الروضة الذي كان يستثمره صهره، زوج عمتي خديجة، وهو رجل من آل شاتيلا تفصل بينه وبين عمتي أعوام كثيرة.
عماتي جميعهن باستثناء واحدة، كنّ يسكنّ في المبنى الذي يقع بيتنا فيه. وقد أقيم المبنى على قطعة أرض غير مفرزة، وهذا ما جعل جميع ورثة جدي شركاء في كل شيء. فضاعت الحصص وتداخلت الحقوق في وضع يشبه وضع الكثير من العقارات والأبنية القديمة في بيروت. وهي مشكلة اتضح اتساع مداها الخرافي أثناء البحث في إعادة بناء وسط العاصمة بعد انتهاء الحرب الأهلية إذ تبين أن مشكلة تفتت الملكية ظاهرة واسعة الانتشار تجعل من أي بحث في الحفاظ على حقوق المالكين والمستأجرين والمستثمرين في مركز المدينة، إضافة إلى الدمار الواسع هناك، من الأمور المعقدة. الحل الذي وجد لوسط بيروت والذي ما زال مدار خلاف بين قسم من أهل العاصمة وأهل الاختصاص من جهة، وبين أصحاب شعار «بيروت مدينة للمستقبل» من الجهة المقابلة، تمثل في الشركة العقارية. أما في بناية جدي فالأمور ما زالت متروكة لصنوف من غض النظر والاهمال يبررهما التعقيد الشديد في أوضاع المبنى القانونية والعقارية. أحد جوانب التعقيد هذا، أن جدي كان يداوي كل داء يصيب زواج أي واحدة من عماتي بدعوتها إلى الإقامة في المبنى الذي يملكه. بعض هذه الزيجات كان من الحالات الميؤس منها ونجمت عنها سلسلة من المآسي.
فعمتي التي تقيم في الطبقة السابعة أي مباشرة فوق بيتنا، تزوجت من لاجئ فلسطيني كان يعمل في مجال نجارة المفروشات إلى أن أبلغها ذات يوم أنه مصاب بمرض في القلب، وأنه لا يستطيع العمل حفاظاً على صحته. ضيق ذات اليد دفع أولادها الستة إلى خارج المدارس فامتهنوا منذ طفولتهم أعمالاً في الدرك الأدنى من أي سلّم مهني يمكن القياس عليه. وقد شكّلوا امتحاناً قاسياً لمقولات أبي عن القضية الفلسطينية وقداستها ونزاهة أصحابها. فأبي الذي أطلق على ابنه الأصغر اسم فداء تعبيراً عن تمسكه بكل ما ترمز إليه القضية الفلسطينية وخصوصاً العمل الفدائي، كان مضطراً في العديد من المرات، إلى خوض شجار لا يخلو من تبادل اللكمات مع ممثل القضية الفلسطينية في عمارتنا، زوج عمتي الذي، وإنْ كان يعاني مرض القلب الذي أخرجه من سوق العمل باكراً، فإن مرضه هذا لم يردعه عن ضرب عمتي ضرباً مبرحاً ولأتفه الأسباب. يضاف إلى ذلك، أن عمتي كانت تقدم اسم أبي كوليّ لأمور أولادها عندما تضبطهم الشرطة متلبسين بسرقات صغيرة من تلك التي يتولاّها المنحرفون المبتدئون. فكان رجال «الفرقة 16» أي قوة الشرطة المولجة معالجة المشكلات الطارئة في تلك الأيام، يزورون أبي كلما جرى توقيف واحد من أبناء عمّتي في أماكن كان والدي يجفل لدى سماعه أسماءها وهو صاحب الخبرات العريقة في شوارع بيروت، الأمامية والخلفية.
توفي زوج عمتي مباشرة بعد انتهاء حرب السنتين، التي لا أستطيع اليوم أن أرسم أي صورة لنجاح عمّتي في تمرير أهوالها وضائقتها المعيشية، إلا بفضل عملها المضني في حياكة كنزات الصوف لأبناء المحلة والتمسك بنيل حصة زوجها من الإعاشة التي كانت تقدمها هيئة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الاونروا».
وبرغم وفاة معذب عمّتي، ظلّت والدته تفاجئنا بزيارات تقودها من مخيم صبرا الذي كانت تشغل فيه غرفة لا أجد صعوبة في تخيّل بؤسها، إلى بيتنا حيث كانت أمّي تشعر بالغم الشديد لدى وصول «الحاجة أم علي» التي تطالب بفنجان قهوة تعبّ منه عبّاً مرفقاً بصوت «شفط» يغاير ما ألفناه من أسلوب في ارتشاف القهوة، وهي تدخن من سجائرها الثقيلة والغريبة الرائحة بالنسبة إلينا، والتي عرفنا لاحقاً أنها من نوع «البافرا» الوطني المختلف تماماً رائحةً ومذاقاً عن سجائر أبي «المارلبورو»، وسجائر «كنت» التي كانت أمي لا تدخن إلا واحدة منها في اليوم بُعيد الظهر أثناء ارتشاف القهوة وقراءة الجرائد. وتروح أم علي تحدّث أمي بلهجتها الغريبة والقوية عن الأملاك التي كانت لأسرتها في نواحي حيفا قبل أن يأتي اليهود «ليأخذوا كل شيء». وبطبيعة الحال، ما كان هذا الكلام ليقنع أمي التي تملك روايتها الخاصة المدعمة بالحجج عن سبب خروج الفلسطينيين من أرضهم. فهي من المقتنعين أن الفلسطينيين «باعوا أرضهم لليهود وجاءوا إلى لبنان» ليعيشوا عالة عليه مستفيدين من تقديمات وكالة الغوث. تعترف أمي بمأساة الفلسطينيين لكنها لا تسقط عنهم قسطهم من المسؤولية عما أصابهم، وأصاب لبنان «ها» لاحقاً.
ولم تكن «أم علي» لتتردد في خلع ثيابها أمامنا والدخول بملابسها الداخلية وجسمها المحدودب المدور إلى بيت الخلاء لقضاء حاجة، وهذا ما يخلق حالة هلع عميق لدى أمي المتوجسة دائماً من قلة نظافة أم علي والمتسائلة ببرم ما بعده برم، عن سبب استمرارها في زيارة عمّتي وفي المرور بنا حتى بعد وفاة ابنها بنوبة قلبية.
الحالة المزرية وحياة الفاقة التي جعل زوج عمّتي أسرته تعانيها، لم تكونا الاختبار الوحيد للمثال الذي أراد أبي رسمه في أذهاننا عن الفلسطيني المناضل المطرود من أرضه والمقاوم من أجل العودة إليها. فقرب بيت جدّتي أم محمود في منطقة الحرش، القريبة من مستشفى المقاصد في الطريق الجديدة، كنا نصادف مجموعات من «الفدائيين» بثيابهم المرقطة يتنزهون أمام قاعة سينما شبه خربة افتتحت في الحي في ستينيات القرن الفائت عندما بدا أن صناعة الترفيه يمكن أن تزدهر في الأحياء الشعبية. والحق أن هذا الحي لم يكن شعبياً على النحو الذي وجدناه في أوائل سبعينيات القرن نفسه بل كان مكاناً لإقامة الأُسر التي أصابت نصيباً من اليسر في ثلاثينيات القرن العشرين، أي في الفترة التي انتقل إليه جدي «أبو محمود». «الفدائيين» كانوا موضع احتجاج دائم لدى جدتي تنقله إلى أبي بسبب تصرفات كانت تهمس بها همساً خشية أن نسمعها نحن الأطفال. وكان وجود مراكزهم في الطريق الجديدة وبداية تمددهم خارج المخيمات ونحو شارع الفاكهاني الذي سيشهد على مآل ثورتهم طوال أعوام مقبلة، يولّد احتكاكات لم تكن مرتبطة كلها بالخلافات في وجهات النظر بشأن الكفاح المسلح أو الحرب الشعبية الطويلة الأمد، بل كانت أقرب إلى ما يعني بسطاء الناس من عدم احتمال من يواظب على الطلب من دون تقديم البدل. ووفقاً لكلمات أمّي التي كانت مضطرة إلى الإجابة عن إلحاحنا للحصول على تفسير لما تهمس به جدتي، كان «الفدائيون» «يلحقون البنات» و«يأخذون من المحلات من دون أن يدفعوا»، وغير ذلك من التصرفات التي لم يكن خطرها مفهوماً بالضبط بالنسبة إلى أولاد لم يتجاوز كبيرهم العاشرة من العمر.
في هذه الأثناء وقعت عملية فردان (10 نيسان/أبريل 1973). وفردان شارع راقٍ في غربي بيروت يبعد أمتاراً عن بيتنا. لم نسمع نحن الأطفال الذين يأوون إلى فراشهم مبكراً أصوات تبادل إطلاق النار بين وحدة الكوماندوس الاسرائيلية والمقاتلين الفلسطينيين ورجال الأمن اللبنانيين. لكننا عرفنا منذ الصباح وقبل أن نتوجه إلى المدرسة، أن أمراً جللاً قد وقع ليلاً. جوّ المدرسة كان مكهرباً خصوصاً أن عدداً من أبناء عائلة ناصر من بين التلاميذ. ووفقاً للرواية التي ترددت، فإن عناصر الوحدة الاسرائيلية اصطدموا أثناء انسحابهم من بيروت بمسلحين من آل ناصر قرب الفرن الذي تملكه العائلة في منطقة الأوزاعي. وأذكر أن أطفال هذه العائلة عندما عادوا إلى المدرسة بعد أيام من الحادثة، راح بعضهم يجلس قرب بعضهم الآخر صامتين وحولهم التلامذة يتحلقون مكررين ما سمعوه من أهلهم عن حادثة فردان.
تشييع المسؤولين الفلسطينيين الثلاثة الذين استهدفهم الهجوم الإسرائيلي اعتُبر من الأيام المشهودة في بيروت أوائل سبعينيات القرن الماضي. وما أذكره منه مرور عشرات الدراجات النارية حاملة أكاليل الزهور أمام بيتنا متوجهة إلى بيت كمال ناصر. ووفق شروح أبي، يقع بيت كمال ناصر في مبنى متاخم لمقر «سيّار الدرك» الذي هو ثكنة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وكثيراً ما ردّد أبي أن أحداً فيه لم يتحرك لمواجهة الهجوم الاسرائيلي. وقرأت لاحقاً أن شرطياً لبنانياً قُتل عندما تقدمت سيارة تابعة لـ«الفرقة 16» في اتجاه المبنى، فبادر الإسرائيليون إلى إطلاق النار عليها. وقد اشترى المبنى بعد انتهاء الحرب مصرف ما، وأضاف إليه واجهات من الزجاج والمعدن اللمّاع، بحيث غابت عنه سمته القديمة كمنزل سكني في حي بيروتي، فضلاً عن تاريخه «النضالي». ودخلت الحادثة إلى المقدمات الضرورية للحرب الأهلية: تلكؤ الجيش اللبناني في الدفاع عن الثورة الفلسطينية. مطالبة رئيس الوزراء صائب سلام بإقالة قائد الجيش. الأزمة الحكومية التي أعقبت رفض رئيس الجمهورية سليمان فرنجية النزول على طلب السلام...
في ذلك الحين، عرض أبي لزواره ولأمي وعلى مسامعنا، رواية للحادث لا تخلو من نقدٍ قاسٍ للفلسطينيين، على شكل أسئلة بسيطة إنما حادة: «تريدون أن تحاربوا إسرائيل التي هزمت العرب جميعاً وتسكنون الشقق الفاخرة في بيروت؟ هل تخاض الثورات على هذا النحو؟ ما مبرر كل هذا السلاح بين المنازل في الطريق الجديدة؟...» وذلك في وقت كانت منظمة التحرير قد قررت نقل الكثير من مقار فصائلها إلى المناطق السكنية في بيروت الغربية، بعدما رأت في عجز الحكومة اللبنانية عن الدفاع عن «أمن الثورة» وعن التصدي للغارات الاسرائيلية المتصاعدة على المخيمات الفلسطينية في الجنوب اللبناني، ذريعةً للخروج من المخيمات التي يقيم فيها الفلسطينيون منذ العام 1948، وللتنصل من اتفاق القاهرة الشهير (1970) والسعي إلى أخذ مسألة أمنها بيدها.
بعد أسابيع قليلة، أثناء توجهنا برفقة أمي لزيارة جدّتي في منطقة الحرش، أوقف سيارة الأجرة التي كانت تنقلنا، مسلّح فلسطيني قرب محطة القنال سبعة، وصعد وجلس إلى جانب السائق من دون أن ينبس ببنت شفة، واضعاً بندقيته بين ساقيه، لتصبح فوهتها مصوبة نحو الأعلى على نحو يجعلها قريبة من وجوهنا نحن الذين نشغل المقعد الخلفي. ران صمت ثقيل على السائق وعلينا. عند اقترابنا من تقاطع الكولا، طلب المسلح من السائق التوقف ونزل من دون أن ينقده بدل النقل. ثم نزلنا نحن عند تقاطع البربير بعدما دفعت أمي إلى السائق من دون أن تشير إلى المسلح إذ بدا لها أن السائق يشعر بخوف يفوق خوفنا.
القصة رويت أمام أبي مرفقة بسيل من الانتقادات لسلوك المسلحين الفلسطينيين ولجلافتهم. فكيف يبيح مسلح لنفسه أن يركب سيارة تنقل امرأة وأطفالاً ويضع فوهة بندقية قرب وجوههم. ومن يعتقد نفسه حتى لا يدفع البدل للسائق... هذه عيّنة من أجواء الأسئلة التي طرحتها أمّي على أبي الذي لم يجد بداً من الاقرار بخطأ المسلح معلناً أن تجاوزات تقع في الثورات كلها. هذه الحادثة جرت في أيار/مايو 1973 أثناء الاشتباكات بين الجيش اللبناني ومنظمة التحرير الفلسطينية. وفي رأي أبي أن مصير الثورة الفلسطينية، الذي يتحدد في هذه المعركة التي تخوضها منظمة التحرير دفاعاً عن النفس، ليس ممكناً ربطه ببعض الأخطاء التفصيلية. إذا أراد المرء التعميم فقد يقول إن ما جرى في سيارة الأجرة تلك، عينة عن لبّ الخلاف اللبناني الرسمي ـ الفلسطيني: استرهان مدنيين لبنانيين لخدمة قضية لا مجال لنقاش عدالتها. وهذا خطاب ما كان ليوافق عليه والدي ورفاقه وجمهور عريض من اللبنانيين في حقبة صعود الثورة الفلسطينية.
والحال أن «الحادث» بالنسبة إلينا نحن الأطفال الذين لم تكن بعد قد مرت فترة طويلة على مشاهدتنا فيلم «فداكي يا فلسطين» في قاعة السينما المجاورة لبيت جدتي، كان مصدر فرح لا يوصف لأننا كنا في السيارة ذاتها مع «فدائي» حقيقي يحمل بندقية حقيقية. ورحنا نتخيّل أن الفدائي هذا شارك في عمليات في فلسطين، وأنه من الذين مثّلوا في الفيلم الذي شاهدناه بناء على اقتراح أبي، بطبيـعـة الحال. أما أحداث مايو/أيار 1973 فكانـت هجومـاً شنّه الـجيش اللبناني بتحريـض من الكتائب والشمعونييـن لـذبـح الثـورة الفلسطينيـة واستكمـال ما بـدأ في أيلول الأسـود في الأردن، هكـذا قـرر أبي، وهـذا ما آمنا به.
في تلك الأثناء، تواصلت في أمسيات أيام السبوت الاجتماعات التي كان يعقدها الحزب الشيوعي لأصدقائه في بيتنا. عشرات من الشبان والشابات يدخلون ويخرجون من البيت أمام عيوننا التي لا تكاد ترى الوجوه بسبب كثافة دخان السجائر. أحاديث ونقاشات بين مسؤولي الحزب وأبي من جهة، وبين الشبان الراغبين في الانضمام إليه ومن يحيط بهم من الجهة الأخرى. التسوية ـ الاشتراكية ـ الطائفية ـ البرجوازية ـ الطبقة العاملة ـ لينين ـ الاتحاد السوفياتي ـ إسرائيل ـ الأنظمة المتخاذلة ـ الانحراف اليساري ـ القوى المغامرة ـ عبدالناصر ـ السادات ـ الطغمة المالية ـ المؤتمر الثاني ـ القضية العربية... كلمات كانت تتسرب من باب الصالون عندما تستدعي أمّي والدي لإدخال صينية تحمل فناجين القهوة. في بعض الأحيان، تتبرع واحدة من الصبايا لمساعدة أمّي في إعداد القهوة، وفي أحيان أخرى تطغى نزعة مساواة المرأة بالرجل عند الرفيقات الشابات فلا يرين ما يسوّغ قيامهن بتقديم القهوة إلى الرفاق الرجال.
لم تبد أمّي ضيقاً بهذه الاجتماعات. ليس لعمق اقتناعها السياسي ببرنامج الحزب الشيوعي، ولا لاعتقادها بدقة تحليله للمسألة الزراعية في لبنان، ولا لكونها من النوع المضياف، بل إن السبب في قبولها بعقد هذه الاجتماعات التي تحولت ظاهرة يعرف بها وبموعدها حيّنا بأسره، في بيتها، وهي الحريصة كل الحرص على صون ما يتيسر لها من صنوف الأبهة المتعارضة بطبيعة الحال، مع استقبال أفواج من طلاب الجامعات وصغار العمال والموظفين، هو ما اعتقدت أمّي أنه مصدر وجاهة لأبي. «الرفاق» الشباب كان يحيطونه بالكثير من الاحترام الذي يحوله هو إلى صداقة لا تعترف بفروق العمر أو أي نوع آخر من الفروق. وقدرته على تحويل كل معرفة عابرة أو لقاء ساقته المصادفة، إلى صداقة متينة، من الأمور التي ما زالت عصيّة على التفسير، بالنسبة إليّ على الأقل.
وكثيراً ما تضع أمّي على وجهها تعبيراً ينم عن اعتزاز مبطن، وإنْ بدا عليه ضيق من تحاصره الشواغل وتحرمه الترفيه عن نفسه، عندما تعتذر أثناء أيام الأسبوع عن أي ارتباط مع شقيقاتها لأمسيات أيام السبوت «لأن الشباب جايين عند أبو حسن». ولم يكن «الشباب» هم الوحيدين الذين كان أبي يستقبلهم في بيته ويعرفنا بهم، فهناك شاعر من الاتحاد السوفياتي وكاتب من مصر (أخذت أمّي عليه، بعد انصرافه، أنه كان ينفض رماد سيجارته على السجاد في الصالون)، وشعراء من لبنان وطلاب يعدّون شهادات جامعية عن الأدب الحديث وشبان أتمّوا دراساتهم ويريدون التوجه بمنح إلى الدول الإشتراكية لاستكمال التخصص...
أثناء عطلنا المدرسية الطويلة، اعتاد أبي أن يصحب واحداً منا إلى أحد المقاهي في ساحة رياض الصلح (مكان مقر «الاسكوا» حالياً) حيث يطلب الشاي بالحليب ويباشر قراءة الجرائد، تاركاً من يرافقه يتأمل في أجواء المقهى البيروتي. نراجيل معلقة على الجدران، رجال في أواسط أعمارهم يحتسون فناجين القهوة أو أكواب الشاي وغيمة من دخان «التنباك العجمي» تطوف مرتفعة نحو سقف المقهى العالي حيث تنتشر مجموعة من مراوح كهربائية تدور دوراناً متكاسلاً، وفي الخارج حركة وأبواق سيارات وخيال تمثال رياض الصلح. كان «البلد» (وهذه هي التسمية التي كان أهل المدينة يطلقونها على وسطهم التجاري قبل انبلاج فجر «الداون تاون») الذي ننزل إليه برفقة أبي، مختلفاً تماماً عن ذلك الذي نزوره مع أمّي. فمع أبي كنا نمضي الوقت بين المقاهي والمكتبات الصغيرة، في حين أن أمّي كانت تحصر جولاتنا معها في مجال الملبوسات في سوق الطويلة (على ما أعتقد).
لم يكن عسيراً تخيّل أن تسير الحياة على هذا المنوال حتى آخر العمر. لكن صبيحة يوم اثنين ربيعي، نزلت أنا وأخوتي ننتظر الحافلة المدرسية قرب مدخل البيت. بعد نحو الساعة، صعد شقيقي حسن ليبلغ أمي أن الأتوكار لم يحضر. تبادل أبي وأمي النظرات القلقة ثم طلبا من حسن الذهاب لشراء الصحف من دكان الحاج بشير. كان ذلك اليوم 14 نيسان/أبريل 1975. اليوم الأول في أعوام الرماد.
***
في خريف العام 1984، شاركت في دورة تدريبية لمقاتلين في الحزب الشيوعي في بلدة المشرف في منطقة الشحار الغربي في جبل لبنان. أكثر المقاتلين من الطائفة الشيعية جاءوا من ضواحي بيروت الجنوبية وبعضهم من سُنّة إقليم الخروب. ولم يكن أي من سكان القرية الجبلية المارونية موجوداً فيها باستثناء جثة امرأة عجوز ظلت على مقعد داخل منزلها بعد شهور من ذبحها على أيدي مسلحين قيل لنا إنهم من الدروز. قبالة المنازل المهجورة التي اتخذها المقاتلون مراكز للايواء، انتصبت فوق التلال مواقع «القوات اللبنانية» التي كانت تنطلق منها عيارات الأسلحة الرشاشة الثقيلة كلما شعر شاغلوها بحركة غير طبيعية في الجهة المواجهة لها.
كانت انفجارات القذائف الصاروخية التي يوجهها في ليال حالكة الظلمة، مسلحو حركة «أمل» المتمركزون في «قاعدة الشهيد بلال فحص» القريبة، إضافة إلى جثة العجوز المارونية، تضعف أثر الأفكار المزروعة في عقول المقاتلين الشيوعيين الشبان عن أن المرحلة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982، هي مرحلة تحرر وطني من الاحتلال الاسرائيلي، للوصول إلى الثورة الوطنية الديموقراطية التي سينجزها حزبهم مع حلفائه الوطنيين والتقدميين. لكن نظرة إلى هؤلاء الحلفاء في الحزب التقدمي الاشتراكي، أو بالأحرى إلى ممثليهم في مواقع قريبة من موقع الحزب الشيوعي، كانت تشي أيضاً بأن المسألة تتجاوز موضوع التحرر الوطني، وبأن التفاتاتهم وكلماتهم المستهزئة بالشيوعيين، لا تنم عن استصغار قلّة عدد هؤلاء وتواضع عدّتهم فحسب، بل تخفي عدم تصديق ما يزعمه الشيوعيون بأن المذابح التي شهدها جبل لبنان قبل أقل من عام، كانت تشوّهات أضفتها نزعة طائفية على مسيرة تحرر تتداخل مع الصراع الطبقي اللبناني.
المقاتلون المسيحيون فوق التلال يؤدون دور الأعداء الطبقيين للشيوعيين في منازل المشرف، لأن الأوّلين هم مندوبو البرجوازية التي تحالفت مع الغازي الأجنبي قبل أقلّ من عامين لضرب قوى التحرر والديموقراطية. أما حقيقة أن أكثر مقاتلي «القوات اللبنانية» كانوا من فقراء المسيحيين، فتوضع في خانة التضليل الطبقي والاستغلال الطائفي الذي تقوم به البرجوازية للزجّ بالطبقة الكادحة في صراعات جانبية تفتتها وتؤبد هيمنة رأس المال الكومبرادوري، وأن هؤلاء المقاتلين ـ الأعداء يجب أن يكونوا من جمهور الشيوعيين لولا التضليل وغسل الدماغ الطائفي الذي كانوا عُرضة له.
تجاهل حملة هذه الأفكار وجود قاعدة لحركة «أمل» وسلوك المسلحين «الاشتراكيين»، دليلان على أن الطائفية مما لا ينفع معه الانكار. لقد رأى الشيوعيون الشبان في أنفسهم الدليل الحي على إمكان بناء وطن متعدد الطوائف يتبنّى الخيار الديموقراطي بصيغته العلمانية ويحقق عدالة اجتماعية على أساس إعادة توزيع الثروة بين أفرقاء الانتاج وفق قسمة لا ترغب في المضي بعيداً، أقلّه في الأعوام الأولى للثورة الوطنية الديموقراطية العتيدة. ففي تلك الأعوام المقبلة التي كانوا يرونها حقيقة مثل «حقيقة» المتصوفة ويعاينونها كما تحصل «المشاهدة» بعد سقوط الحجب، ينبغي الحرص على الطبيعة الانتقالية للثورة المذكورة، انتقالاً نحو اشتراكية آتية لا ريب فيها استناداً إلى «تحليلات» هي أشبه بما يرى النائم منها بما يدرك اليقظ. لكنهم كانوا يتجاهلون أيضاً صعوبة تفسير الصراع بالمعطيات الطبقية والماركسية الكلاسيكية وتفسير واقع أن أكثرهم من الطائفة الشيعية وأن عدد المسيحيين في حزبهم يتضاءل تضاؤلاً شديد الوضوح، وأن مقاربة أخرى للأزمات اللبنانية تضعها في خانة حروب الهوية والطوائف، قد تصيب تحليلاتهم في مقتل.
أثناء ساعات الاستراحة والغداء، يعثر المقاتلون على «ألبومات» صـور للعائلات التي كانت تقيم في المنازل التي حولوها إلى ثكنات مرتجلة. شبان وصبايا يشربون المرطبات على شرفة منزل. سيدة خمسـونية وشابة تبدو كابنتهـا وبينهما هرة. كهل ستّوني وشاب وشابة تحمل طفلاً، ربما كان حفيد الكهل... بشـر عاديون «مثلنا» لكنهم لم يعودوا في بيوتهم التي جئنا لنتعلم فنون الحرب فيها. لم أشعر بشيء عند تقليبي الصور. «مثلنا» لكنهم، لعلة ما، أصبحت صورهم كصور كائنات من كوكب آخر. أصبحوا أعداء«نا». ربما يقعون صرعى رصاصنا إذا فوجئنـا بـأي منهـم يحاول تفقد بيته.
أصوات انفجارات القنابل اليدوية وإطلاق الرصاص خلال التدريبات كانت ترجئ أسئلة كثيرة. فكيف، مثلاً، يمكن أن يقوّم يساري علماني ذبح امرأة عجوزاً بسبب انتمائها إلى الطائفة المارونية أو طرد سكان قرية من بيوتهم لا لشيء إلا لانتمائهم إلى الجماعة غير المناسبة؟ لم يكن شبح العجوز حاضراً أثناء التدريبات على التكتيكات العسكرية وأساليب الهجوم والدفاع وشرح الفروق بين تركيبة الوحدات المقاتلة في الجيوش النظامية و«القوات الأنصارية» (وهذه تسمية مستلة من القاموس السوفياتي للمجموعات المسلحة غير النظامية)، ولم يكن من المعقول تذكّرها عندما تبدأ القنابل المضيئة الصاعدة من مواقع «القوات اللبنانية» القريبة في إنارة سماء القرية المهجورة وشبه المدمرة، بل إن شبح المرأة الجالسة على الكرسي ووراءها الأواني الزجاجية وفيها المآكل المحفوظة من بقايا مؤونتها الشتوية كالزيتون ومربّى التين ودبس الخروب، كان يزورني بعد انتهاء التدريبات وبعد عودتي إلى بيروت أيضاً، حاملاً سؤالاً لم أجد له جواباً في أدبيات آمنت حتى الهوس بعصمتها وصوابها: لماذا؟
أعترف أن سيرة العجوز والظروف التي قُتلتْ فيها لم تثر اهتمامي ولم أسع إلى معرفتها أصلاً. فقصص كبار السن المتروكين في القرى المهجورة والذين كثيراً ما يقتلون عند انتقال السيطرة على هذه القرى من فريق إلى آخر، كانت منتشرة في أيام حرب الجبل وما تبعها من «حملات تطهير». وجلي أن المرأة المذبوحة على المقعد ليست إلا واحدة من هذه الحالات. والأرجح أنها لم تعرف عن سبب مصرعها أكثر مما يمكن أي قروي أن يرويه عن أعدائه «البديهيين» الذين تجود بهم «الطبيعة اللبنانية».
***
سأحاول في الصفحات المقبلة أن أرسم المسارات المتعرجة التي يتخذها نشوء هوية وطنية لشعب الجمهورية اللبنانية. وسأسعى إلى أن أبيّن أن ستة وثمانين عاماً مضت منذ إعلان «لبنان الكبير» كانت حافلة ليس بما يقرّب حامـلي الجنسية بعضهم من بعض ويذيب الفروق في انتماءاتهم السابقة على الانضمام إلى الوطن الجديد، بل إن الكـثير ممـا فعله اللبنانيون أو فعله الآخـرون لهم، كانت نتائجه تصلب الهويات الفرعية، الطائفية، كما كانت تصلبُ أكثر حيرةَ اللبنانيين حيال الوجـه الذي يتعيّن أن يتدبروا أمورهم عليه.
فالدولة اللبنانية فاقمت من هواجس الجماعات وضاعفتها ولم تخمدها. وشرعت لها، من حيث لا تدري أو تريد ربما، المطالبة «بحق تقرير المصير». ومن يرَ في جماعته أمة ناجزة الميزات العرقية والثقافية، وهذه حال الكثرة من الطوائف اللبنانية، يكن على قاب قوسين أو أدنى من المطالبة باستقلالها السياسي إنْ عجز عن بسط سيطرته وسيطرتها على الجماعات المنافسة.
وفي وقت لم يعد الخوف من الذوبان في محيط معادٍ، صفة مسيحية، لبنانية ومشرقية، بل صفة يتشارك في حملها المسلمون الخائفون من فقدان هويتهم الدينية والثقافية على امتداد العالم، والمسيحيون الذين يخشون الاندثار نتيجة تناقصهم الديموغرافي في البلدان العربية ومنها لبنان، تبرز المواجهة ليس بين «خوف» مسيحي و«غبن» إسلامي كما كانت الحال في الفترة الفاصلة بين الاستقلال والحرب الأهلية، بل حالاً من الذعر المعمم من «آخر» لا يني يزداد قوة وشراسة فتنقص الحاجة إلى لاعقلانية في التعامل معه وترتفع صرخة الرعب من المجهول الآتي. وفي حال كهذه، ليس ثمة مناص من اللجوء إلى العنف أو التبشير بخلاصية تمرّ حكماً عبر مطاهر الدم والموت.
سأسير في الصفحات المقبلة إذاً إلى جانب الخطوط العريضة التي رسمت حاضرنا انطلاقاً من ماضٍ لم أرد الغوص فيه عميقاً، لكن أصداءه لا تنفك تتردد في أسماعنا ملقية فيها الأسئلة التي لا أجد حرجاً في الاعتراف بأن العديد منها ظلّ بلا أجوبة.
وإذا كنت قد رسمت لوحة للبيئة التي جئت منها كفرد في مجتمع غني بالتجارب وبتعددها، فذلك لادراكي صعوبة الفصل ما بين خطوط هذه اللوحة وسماتنا بل ملامح وجوهنا وسؤالنا المعذب واللذيذ في الوقت نفسه: من نحن؟
ح. ع.



الفصل الأول: عالم عوالم اللبنانيين

«الآخر هو المكان الذي تولد فيه الذات»
جاك لاكان
احتشد في الرابع من آذار/مارس 2005 نحو مليون لبناني في ساحة الشهداء في وسط بيروت، احتجاجاً على اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، وللمطالبة بخروج القوات السورية، ورفضاً لتمادي أجهزة الاستخبارات اللبنانية والسورية في هيمنتها على الحياة العامة، ولتحول صيغة العلاقات اللبنانية ـ السورية السائدة في ذلك الحين إلى عبء على انتظام الحياة المدنية والسياسية في لبنان. ضم الحشد ممثلين عن غالبية الفئات والطوائف اللبنانية: كان من البديهي أن تتألف أكثريته من الشباب المتحمّسين والمطالبين بتغيير لم ينجح في بلورة صورتهم. لكن إلى جانب هؤلاء، شاركت النساء من ربات البيوت ومعلمات المدارس والعاملات وجاء عشرات الآلاف من أهل العاصمة الذين يتّسمون عادة بالفتور إزاء كل تحرك في الشارع، كما تراجعت الحركة في المؤسسات التجارية والصناعية في أجزاء واسعة من البلاد لتقارب الصفر ولتخلو قرى خلواً تامّاً من سكانها الذين هبطوا إلى المدينة للمشاركة في التظاهرة التاريخية بحق.
بدا في ذلك اليوم، وفي أيام قليلة أعقبته، أن اللبنانيين اكتشفوا أنفسهم واكتشف بعضهم بعضاً وبدوا كأنهم رأوا علمهم وسمعوا نشيدهم الوطني للمرة الأولى وعثروا أخيراً على بطلهم القومي، رئيس الوزراء القتيل الذي لم يبخلوا عليه بالصفات الأسطورية، وتحسسوا للمرة الأولى أيضاً، قدرتهم على السير في اتجاه هدف واحد مرددين شعاراً واحداً، من دون أن ينسوا توجيه العتب إلى طائفة قيل إنها تخلفت عن المشاركة. عتب مرفق بالدعوة إلى المسارعة للحاق بالركب قبل أن تصبح المسافة الفاصلة من الاتساع بحيث تتحوّل إلى شرخ بين الأكثرية الجديدة المحتشدة في وسط العاصمة والأقلية الجديدة أيضاً، المستنكفة.
أبهجت صورة الحشد الهائل الكثير من المواطنين والسياسيين الذين ذهب بعضهم إلى أبعد من إدراج التظاهرة في خانة الحسابات والصراعات السياسية الآنية، أي إلى حدود التبشير بأن الحدث يرقى إلى مستوى التأسيس لهوية وطنية جديدة تستطيع أن تضم اللبنانيين وأن تجمعهم، عابرة طوائفهم ومتغلبة على انقساماتهم وشقاقهم الذي سلّموا أن لا شفاء منه.
وعلى غرار كل الأحلام الوردية، سرعان ما انتبه المتظاهرون من غفلتهم بفعل ما يشبه الصدمات التي تتابعت حتى قضت على الحلم قبل أن تمرّ ثلاثة أشهر على انتشاء المشاركين فيه بكثرتهم وبأوهامهم. فقد استيقظ اللبنانيون على مجموعة من الحقائق المرّة، من بينها خلافاتهم التي لم تنته بل اتخذت أشكالاً جديدة ومتنوعة، بعد انسحاب الجندي السوري الأخير، فأعطت الأجواء السابقة على الانتخابات التي جرت في أيار/مايو وحزيران/ يونيو من العام ذاته ونتائجها المباشرة، انطباعاً بأنّ حدّة الفرز الطائفي قد تفاقمت، وأن تظاهرة واحدة، في نهاية المطاف، لا تصنع أمّة (على النحو الذي صارح به الصحافي جورج نقاش مواطنيه قبل قرابة خمسين عاماً بإعلامهم أن «نفيين لا يصنعان أمّة» أو على غرار الحكمة القائلة إن سنونوة واحدة لا تصنع الربيع)، وأن الهوية الوطنية تحتاج إلى ما هو أعمق من رفض الدور السوري في لبنان والاحتجاج على اغتيال واحد من سياسييه، بغض النظر عن مدى جسامة الدور وإعاقته لتشكّل الدولة وأهمية رجل السياسة أو وحشية الجريمة. إن بناء هوية بناءً إرادوياً عملية رائجة في عالم ما بعد الحرب الباردة وإن كان سجل نجاحاتها لا يزال هزيلاً سواء في البلقان أو في العالمين العربي والإسلامي. وهي تحتاج إلى معطى إيجابي توكيدي واحد على الأقل، وليس إلى مجرد الاتكال على السلب والرفض، وفق رأي ساد بين أوساط منتقدي أجواء ما بعد التظاهرة اللبنانية، عندما تبيّن أن تقاطع مسار الكتل السياسية وجماهيرها، الذي تجسّد في ساحة الشهداء غير قابل للتحول إلى مشروع سياسي محدد الأهداف، وأن تعبير «إرادة العيش المشترك» الذي ردده خطباء التظاهرة الحاشدة، لا يتضمن في أكثر الحالات تفاؤلاً، إلاّ رغبة في عقد صلات نفعية موقّتة بين سياسيين لا تنقصهم المراوغة، في حين تقبع مشاعر المواطنين الحقيقية والعميقة في ظلمات المعازل الطائفية.
لقد شكّلت التظاهرة نقطة احتشاد وبداية فرز وتشتت في الحين نفسه. فقد تجمعت عوامل قصور الدور السوري وعجزه البيّن عن إطلاق تسوية داخلية بين اللبنانيين لا تقوم على منطق القسر والإرغام في سبيل تحقيق مصالح أسمى، حقيقة أو متخيلة ـ لكنها تتماهى في كل حين مع مصالح القابضين على زمام السلطة ـ وعوامل الاستعصاء اللبناني الذاتي عن إنتاج مفهوم للعلاقات الداخلية يتّسم بقدر من التوازن والاستقرار.
المعنى الأهم لما حدث في الرابع عشر من آذار/مارس البيروتي، أنه كان إعلاناً أمام مئات الآلاف من اللبنانيين والملايين من مشاهدي البث التلفزيوني الحيّ، عن انتقال المسلمين السنّة إلى الصف «الكياني» أو «السيادي» وفق تعبير راج في تلك الأيام، للمرة الأولى ربّما منذ تأسيس لبنان الحديث وانفكاكهم عن المشروع العربي بمعناه التوحيدي الذي انخرطوا فيه عندما أيدوا الحكومة الفيصلية في دمشق مروراً بالإنجراف في المدّ الناصري وبدعم المقاومة الفلسطينية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، مع التشديد على أنهم غادروا أوهام الوحدة العربية الواسعة في وقت مبكر على نقيض ما تروّجه عنهم الأيديولوجيا اللبنانية التقليدية.
الانتقال الإسلامي السنّي هذا، أشار إلى السقوط الأخير، على الساحة اللبنانية على الأقل، لما تبقى من مشاريع عروبية لم يعد لها من فعل بعد انحطاطها، سوى تبرير حكم الأقليات المتسلطة. وأشار الانتقال السنّي اللبناني إلى أن «العروبة» البديلة المتمثلة في دور رؤوس الأموال الخليجية والنهج «المهدئ» للأنظمة القائمة في الدول العربية الرئيسة، هي عروبة تقبل بالكيان اللبناني كدولة ناجزة الاستقلال وليس «إقليماً سليباً» يجب إيجاد حل لوضعه الشاذ سواء بالبحث عن دوافع محلية لإكمال مشاريع «الوحدة» وإنْ باللجوء إلى العنف أو بالضغط السياسي والاقتصادي، من دون أن يكون هذا الكلام مديحاً لحال الجمود والارتهان إلى الخارج، وهذان يؤذنان بما قد لا تحمد عقباه على صعيد التمهيد لانهيارات شاملة، أو أن يكون هذا الكلام ذماً لنوع من الدبلوماسية الهادئة بين الدول العربية، ذمّاً يرمي إلى إعلاء قيمة سياسات التهويل والحملات الإعلامية الجوفاء.
هذا، في مقابل اتهامات وُجّهت إلى شيعة لبنان بالبقاء في صف عروبة نضالية مفرغة من مضامين أنهت أنظمة القمع والتسلط صلاحيتها، الوحدة والتحرير الوطني والعداء للاستعمار، وهو ما تجسّد، في رأي مستدعي شيعة لبنان إلى الانضمام إلى الصف «السيادي»، لدى شيعة العراق بعد الاحتلال الأميركي له في العام 2003، بطلاق بائن مع كل أشكال العروبة، النضالية منها وغير النضالية، لمصلحة توثيق العلاقات مع خارج أميركي وإيراني، غير مؤيد لأي خطاب عروبي، وذلك في إطار البحث عن أشكال أخرى للتمثيل السياسي لم يسقط منها الشكل الفدرالي الواجد غذاءه في نقمة عن مفهومة زرعها النموذج العروبي السابق.
كان انتقال اللبنانيين السنّة من معسكر إلى آخر، وهو انتقال كرّسه اغتيال الحريري، من الأهمية بحيث إنه حسم موازين القوى نهائياً لمصلحة معارضي الوجود السوري من السياسيين المسيحيين الذين ظلوا يرفضون هذا الوجود منذ العام 1977. وفي ذلك التاريخ، انتهى تحالف السياسيين المسيحيين مع دمشق التي ذهب قسم منهم إلى تفسير تدخلها العسكري إلى جانبهم في العام الثاني من الحرب الأهلية، بأنه انحياز نهائي إلى مشروعهم السياسي الذي يراوح حداه بين الإبقاء على صيغة الحكم المقرّة في العام 1943 والمحافظة على الكيان واستحواذ المسيحيين على الغلبة السياسية فيه أو تعديل هذه الصيغة عبر الفدرالية، وهذه أفكار لا يتوافر أي إثبات على أنها دارت في خلد القيادة السورية في اللحظة التي قررت دفع قواتها إلى لبنان. ولم يتمكن السياسيون المسيحيون هؤلاء من زعزعة الوجود السوري بسبب تكوين العلاقة مع سوريا عنصر انقسام وطني يلقي فيه المسلمون اللبنانيون بثقلهم إلى جانب إضفاء سمات سياسية عليها، إذ كان بعضهم يرى فيها ضمانة لعدم عودة عقارب الساعة إلى الوراء الخاضع لسلطة مفرطة لرئيس الجمهورية الماروني وأبناء طائفته المنتشرين في الوظائف والمراكز الحكومية الحساسّة.
وبديهي أن معارضة تقتصر على المسيحيين في ظل موازين القوى السياسية والديموغرافية السائدة بعد اتفاق الطائف، وانتهاء الحرب الأهلية، وفي معزل عن إسناد غربي فاعل، لم تكن لتنجح في إنهاء الدور السوري المشكو منه في لبنان، في أي حال من الأحوال.
غير أن تظاهرة 14 آذار/مارس 2005 لم تفلح في تقديم نفسها كتعبير عن هوية وطنية جديدة. فائتلاف طائفي اتخذ طابع ردّ التحدي الذي رفعه نزول ممثلي الطائفة اللبنانية الأكبر (المسلمون الشيعة) مدعومين بأنصار دمشق من الطوائف المسيحية وبعض الأحزاب «العلمانية» في لبنان، إلى الشارع للتعبير عن «الوفاء لسوريا والدعم للمقاومة» قبل أقل من أسبوع من «التظاهرة المليونية»، لا يحتوي على العناصر الكافية لصوغ إجماع وطني جديد، فضلاً عن صوغ هوية جديدة. كانت تظاهرة 14 آذار/مارس، بين أمور أخرى، نقطة النهاية للدرجة المرتفعة من التدخل السوري في الشأن اللبناني الداخلي، لكنها لم تحمل من المعاني ما تمنّاه كثير من المتفائلين في إمكان قلب إنهاء التدخل هذا، إلى رافعة لمشروع جديد للوحدة الوطنية، لا شك في أن عنوانه الأعرض هو التشديد على التمايز عن سوريا ومشروعها في لبنان. هذا التمايز الذي تضمّن مظاهر الشوفينية والعنصرية الصريحة التي تحمّل وطأتها العمال السوريون في لبنان، أي من كان يفترض أنهم شركاء اللبنانيين في المعاناة من عبء نظامين توأمين.
كانت التظاهرة تعبيراً في الراهن السياسي وليست مدخلاً إلى التغيير الوطني بمعنى إنتاج صيغة حكم جديدة. بكلمات أخرى، لم تدفع التظاهرة في اتجاه تشييد «كتلة تاريخية» من أي نوع كان. فمتطلبات تغيير كهذا أعقد بل أقسى بكثير من أن تستجمع حشداً مليونياً من اللبنانيين المتمسكين بتنوع تواريخهم وهوياتهم، مرايا مصالحهم وحاملة رموزها، من دون أدنى رغبة في تقدم التنازلات الضرورية لصوغ سلطة جديدة، وفق ما بيّنته جملة حوادث لاحقة أثبتت صعوبة التوصل إلى تفسير واحد لأي من معطيات السياسة اللبنانية حتى لو كان هذا المعطى نصاً مكتوباً كاتفاق الطائف.
هذا فضلاً عن تبنّي تفسير واحد لمعنى الهوية ومضمونها، خصوصاً أن الوجود السوري في لبنان اتخذ في بعض نواحيه، شكل تغليب هويّة من الهويّات اللبنانية على الأخرى، أي الهويّة العربية والإسلامية، مع كل ما في التغليب السوري هذا من «خصائص» تتعلق بطبيعة الحكم السوري وقواه النافذة. لقد كان التدخل السوري لمصلحة رؤية محددة للهويّة اللبنانية ومحاولة تعميمها، من الدوافع إلى إضفاء أبعاد تتجاوز المعطى السياسي المباشر على مسار الاعتراض اللبناني، وإلى إحياء المماحكات غير القابلة للحسم في شأن هويّة لبنان، يواكبها انتعاش خطاب وممارسة عنصريين بلغ رذاذهما النتن العمال السوريين في لبنان وهؤلاء ممن لا ناقة للكثرة الساحقة منهم، ولا جمل في سياسات حكومتهم.
سؤال الهوية
الهوية مرادفة التعدّد. فوجود كائنين سبب كاف لوجود هويتين، حتى لو كان الكائنان توأمين متطابقين. وتتعقد تعريفات الهوية بارتقاء وتعقد الكائنات والكيانات موضوع الدرس. والهوية اللبنانية، وجودها أو عدمه، علاقتها بالطوائف والدولة، وارتباطها بالهويات المحيطة أو انفكاكها عنها، تكوّنها وتفتتها وتنوّعها، ليست من أيسر ما يقدم كاتب على مقاربته. لكن الأسئلة التي واجهت اللبنانيين منذ إنشاء دولتهم ثم استقلالها ما فتئت تتزايد: من هم؟ علامَ يتفقون وعلامَ يختلفون؟ كيف يحمون سلامهم ولماذا يقتتلون؟ كيف يتعايشون مع خرافاتهم ولماذالله ما الذي يجعلهم يعتقدون أنهم مميزون وأنهم يستحقون دولة مستقلة؟ وإذا كانت نظراتهم إلى الماضي مثالاً على التشرذم ـ وتعبير «اللبننة» المشؤوم لم يمحَ من القواميس بعد ـ فهل توحدّهم رؤية إلى المستقبل؟
وعلّة عسر الكتابة في الهويّة أن هذه تبقى عصيّة على التعريف. فالهويّة ملعب مفتوح لصراعات وتناقضات لا أول لها ولا آخر بين المصالح الدولية والاقتصادية والأيديولوجيات، وحقل لتنفيس التوتر داخل المجتمعات وصب هذا التوتر على شكل كراهية مجتمعات قريبة قد تكون من أصول عرقية لصيقة بالأولى. وإذا أمعن القارئ النظر وجد في الخطاب السياسي كما في الكتابات ذات الهم البحثي، كثرة من التعريفات للهوية إلى درجة قد لا يكون من المبالغ القول إنها أصبحت هوساً عالمياً وجد عدة ترجمات لبنانية له في الأعوام الأخيرة.
في المقابل، يلاحظ غوتلوب فريج أن الهوية غير قابلة للتعريف «بما أن كل تعريف هو (منح) هوية، فلن يمكن تعريف الهوية بذاتها» 1 . لكنها بعصيانها هذا، لا تعلن غيابها عن ساحة الوعي الفردي والجماعي، بل تبدّل أشكال حضورها وتركّبه لتصل به إلى درجات عالية من التعقيد. ولبنان هو جزء من ساحات الحضور المعقد للهوية. كما أنها بعصيانها على التعريف تمنح الكاتب والقارئ فرصة الهروب من البداية السيكولائية المتمثلة في تقديم التعريف الجامع المانع وبناء كل ما يلحق على تطابق، قد لا يخلو من صنعة وافتعال، مع التعريف المنصوب في أول النص، مع ما في هذا الأسلوب من إغراء بالوصول إلى وضوح منهجي، كثيراً ما ينقلب محاولة لحشر الواقع في زاوية التعريف أو صندوقه.
وفي محاولتي أن أحدد هويّتي كفرد أجد نفسي حائراً حيال المعطى الأكثر تأثيراً في تكويني: هل انتمائي إلى عائلة كبيرة ترك أثره فيّ أكثر من ولادتي في عاصمة لبنان ومركزه السياسي والاقتصادي والثقافي؟ لماذا أصنف كأحد أفراد طائفة معينة في حين أن اقتناعاتي السياسية والأيديولوجية وضعتني خارجها موضوعياً ومن ثم في حالة اغتراب عن «المؤسسة» الاجتماعية اللبنانية؟
والهويّة سؤال أنطولوجي من الطراز الرفيع. فوجود لبنان ككيان ومعنى من الأمور التي لم يتوقّف النظر فيها، في إمكاناتها واستحالاتها. حتى لتبدو الأسئلة الفلسفية المرتبطة بالكيان وكأنها مشتقة من حديث سريع أثناء لقاء عابر: هل لبنان موجود بذاته أم أنه أوجد لغاية معينة، وما هي هذه الغاية وما معناها وكيف يتجسد المعنى في الموجود؟
والمعالجات اللبنانية المعتمدة على المناهج الفلسفية البحت كتلك التي حاول القيام بها كمال يوسف الحاج أو أنطوان حميد موراني، من بين آخرين، ومساعي استدعاء هايدغر وكيركيغارد أو هيغل إلى عملية رسم الواقع اللبناني، لم يكتب لها التوفيق وانتهت إمّا إلى الحضّ على تأبيد الواقع مع إضفاء قدر من العقلانية عليه (كمال الحاج) أو على تأبيده مع التسليم بتفوقه الروحي والنظر إلى مثالبه كهنات هيّنات سيتجاوزها الأهل إذا نظروا إلى جوهر كيانهم ووجودهم (أنطوان موراني)، وإمّا إلى اكتشاف تفويض التاريخ مباشرة ومن فوق أي حاجز بشري اجتماعي، لزعماء ميليشيات طائفية العمل على تحقيق غاياته 2 . أي أن المعالجة التي حلمت بأن تكون أنطولوجية انتهت إلى المأزق الذي تصل إليه كل معالجة ناقصة وجزئية بغض النظر عن المنهج الذي تتبنّاه: العجز عن إقامة تماس مع الواقع أو فهمه، وهذا ما يمهد للابتعاد عنه بادعاءات التسامي والنخبوية. وهي علّة وجدت في كتابات ليست محصورة في كتّاب اليمين. فالعديد من كتّاب اليسار الذين حملوا راية «التغيير وإنجاز الثورة الوطنية الديموقراطية» في سبعينيات القرن الماضي وبداية ثمانينياته زاعمين لأنفسهم ولمناهجهم القدرة على فهم الواقع وتغييره، انتهوا قبل مرور عقدين على صدور طبعات كتبهم الأولى إلى تدبيج أسطر تكاد العدمية تقطر منها، في حين لقي بعضهم مصيراً يشكّل نموذجاً لانكسار أحلام «التغيير الديموقراطي» على صخور الطوائف وأسيادها، كحال مهدي عامل (حسن حمدان) المقتول برصاص كاتم صوت «إسلامي» ذي «نفس» إقليمي، في أحد شوارع بيروت في العام 1987. أما من ناحية اليمين فتبرز مأساة كمال الحاج الذي أصابته فأس «تقدمية اشتراكية» في بلدة الشبانية أثناء واحدة من جولات التقاتل الأهلي.
«إشتراكية» الفأس و«إسلامية» كاتم الصوت في حالتَي الحاج وحمدان، إنكار لا تنقصه العفوية في واقعة الشبانية والقصد المبيت في الواقعة البيروتية لكل مقاربة تتوهم في نفسها القدرة على التعالي على المعطى الطائفي المحلي الملازم للواقع اللبناني أو المعبّر عن ضرورات خارجية. وهو إنكار يتوزع بين جهات وقوى لم تعدم الوسائل اللازمة لتحويل مواقفها إلى أعمال ما زالت تحفر في جسد البلد وأهله، في حين اختفى أو كاد كل ما حاول قوله الحاج وحمدان وغيرهما.
نضرب صفحاً، إذاً، عن تقديم تعريف للهوية يدّعي الاحاطة والشمولية، ونتبنّى مع تحفظات تمليها معطيات الموضوع اللبناني، ما ورد في الكتابات الكلاسيكية منذ برمنيدس وبروتاغوراس وأرسطو ولوك وهيوم وليبنز، لأهميتها ولوضعها مسألة الهوية في إطار فلسفي ورياضي شامل ومجرد، إضافة إلى عمليات التحليل و«التفكيك» التي قام بها مفكرون من وزن هوبز (سؤال «الزورق واحتمالاته الأربعة»)، ونتقدم إلى بعض ما رآه مؤرخون ومفكرون لبنانيون حديثون.
لا تعني هذه المقاربة أعلاه شأن الثانين على الأولين ولا، بطبيعة الحال، أي تمييز للهوية اللبنانية أو أي خروج لها عن نطاق التعريفات العامة أو الكونية المنطبقة على بقية المجتمعات والشعوب. فما تهدف هذه المقاربة إليه هو استجلاء جوانب من الخلفيات الايديولوجية لعدد من المشاركين والمساهمين في بحث مسألة الهوية اللبنانية، وهم على درجات مختلفة من التأثير، في صوغ وعي أفراد وجماعات مواطني الجمهورية اللبنانية، بذواتهم.
لمسة القدر
هل من ضرورة لمناقشة الأولوية التي تحتلها الطائفة في تكوين هوية الفرد والجماعة في لبنان؟ فبرغم حضور الانقسامات الطبقية ودورها في صوغ جانب من علاقات اللبنانيين بعضهم ببعض، وبدولتهم، نعتقد أن الاجابة عن سؤال أولوية الطائفة هي النفي، وهو مما يمكن ملاحظته ولمسه في الحياة اليومية في لبنان حيث تؤدي الطائفة دور الهوية الأشد وطأة والأقوى تأثيراً في اللبنانيين. إنها «الهوية التوقيعية» 3 (Signature Identity) التي ترتفع عالياً بين «الخاصيات الاجتماعية المحددة الأخرى والراسمة موقع أي إنسان في الخريطة الاجتماعية». نقول ذلك ونحن نحاذر الوقوع في الخطأ «الاستشراقي» الذي وقع فيه مراقبون أجانب أخذوا على سكان جبل لبنان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الانشغال «بالتعصب الديني» أو «بمشاجرات لا سبب لها»، إضافة إلى أنهم «لم يميزوا في تعبير الفرد ونشاطه العام ما يمكنهم تشبيهه بالفردية التي كانت قد ارتكزت عليها المواطنية الليبرالية آنذاك في أوروبا البرجوازية» 4 ، غامطين بذلك دور هذه «المشاجرات التي لا سبب لها» في رسم خطوط الهوية وتميّزها من الهويات المقابلة.
ولا يختار اللبنانبون هوياتهم الطائفية التي قد يكلفهم الانتماء إليها حياتهم عند وقوع الحروب الأهلية. لكنهم يبدون عند تقدّمهم في السن ودخولهم في شبكات المصالح وتجاذبات الانتماءات المختلفة، غير مستعجلين أو راغبين في التخلص منها أو حتى في تغييرها. هي، في وجدان أكثرهم، لمسة من القدر لا تُرَدّ بل لا يجوز الاعتراض عليها. فهي تشكل في المهد ما يميّز هذا اللبناني من ذاك وهي ما يعود إليه اللبناني في آخر العمر.
ولعل ضرورتها تنبع من تقارب اللبنانيين الشديد في نواح تعتبر عوامل محددة للهوية في مجتمعات أخرى أو، على النقيض من ذلك، من الاختلاف وفق ما يرى الأب سليم عبو الذي يقول إن «مشكلة الهوية لا تلوح إلا حيث يظهر الاختلاف. ونحن في حاجة إلى تأكيد أنفسنا في وجه الآخر، وتأكيد الهوية هذا هو أوّلاً دفاع ذاتي، لأن الاختلاف يظهر دائماً للوهلة الأولى، على شكل تهديد» 5 . ولعل الإس المشترك للتشابه والاختلاف هو التعدد الذي تشدد عليه التعريفات الكلاسيكية للهوية. من هذا المنطلق، يكون التشابه إلى حدود التماهي أو الاختلاف التام سيّين لكونهما علامتين لسمة واحدة هي التعدد.
وبرغم أن «الآخر» هو من يحدد صورتنا الاجتماعية، فنحن شركاء في هذه العملية. وإلاّ، يتساءل إيليا حريق، كيف نفسّر «واقع أن ملحداً في لبنان يُعَرّف اجتماعياً كعضو في المجموعة الدينية التي ولد فيها؟» ويجيب «أن الفردية هنا هي العامل الأضعف. وما من أحد يتمتّع بخيار حرّ للقيام بتعريف كامل لنفسه» 6 . بل إن الانتماء إلى طائفة هو شرط المواطنية اللبنانية في رأي ادمون رباط الذي يشخّص علاقة اللبناني بطائفته على النحو الآتي: «لا بد لكل لبناني أن يكون منتمياً إلى طائفة معينة، في ولادته وزواجه ووفاته وبالتالي في حياته العامة بوصفه مواطناً لبنانياً، الأمر الذي يجعل الروح الطائفية ملتصقة بشخصه وأُسرته ويجعل كل عمل سياسي يقوم به، كالانتخاب والمنافسة في اقتناص الوظائف العامة والوزارات مستمراً طبيعياً في خضوعه لروح طائفته وميولها ومصالحها وتياراتها، وذلك كله لأنه سيبقى عضواً حيّاً لطائفته الأصلية» 7 ، برغم أن اندغام الانسان اللبناني بطائفته لا يتخذ كل الاختيار الحرّ أو الواعي وفق ما يمكن أن يُتَصور من نص رباط، بل يتم في غالبية الأحيان على شكل تدرّج فطري في ممارسة اجماعية مقرّة ومسلّم بها.
يرتبط إهمال اللبنانيين للنزعة الفردية لمصلحة نزعة الجماعة، أو بالأحرى تقديمهم للثانية على الأولى ـ برغم أنهم من «المتهمين» بممارسة أقصى درجات الفردية في شؤونهم الخاصة ـ بتمام الدور الذي تؤديه المؤسسات الطائفية في إطار الدولة وخارجها في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (وهو موضوع استنفد جهود الكثير من الباحثين اللبنانيين). ويرتبط أيضاً بالأيديولوجيا التي ترفعها الطوائف وأجهزتها السياسية حيث تؤدي مهمتها كفكر للحركات الاجتماعية في الحيز السياسي أو كأداة لتزييف الواقع (أو إعادة رسمه) لمصلحة فئة اجتماعية ـ سياسية.
على أن الأيديولوجيا لم تكن يوماً إلاَّ متأخرّة عن مجاراة عملية تبلور الفئة التي تنافح عن مصالحها على ساحة الفعل الاجتماعي والسياسي.
وأيديولوجيا الطوائف ليست استثناء لهذه القاعدة. فقد ظهرت وتطورت بالترافق مع استكمال كل طائفة لعناصر وجودها في قلب الكيان اللبناني. وتتضمن العناصر الأجهزة الايديولوجية والمؤسسات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية (من مدارس ومستشفيات ودور أيتام...)
وليس مصادفة في هذا المجال أن تكون الطائفة الشيعية التي وصلت أخيرة إلى اجتماع الطوائف، فاكتمل النصاب بها، هي آخر من أفرز أحزابه السياسية، وأن يكون الرجل الذي أسس هيئتها الطائفية «الروحية» أو بالأحرى «الملّية» (المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى) هو نفسه من وضع حجر الأساس للمنظمة السياسية الأولى للشيعة في لبنان وأقام لهم شبكة علاقاتهم العربية والدولية، هم الذين كانوا موزعين على أحزاب قومية ويسارية حتى مارونية 8 ، عنينا موسى الصدر وحركة المحرومين التي تحولت في مرحلة لاحقة إلى حركة «أمل».
وفي تصوّرات العديد من الكتّاب والباحثين اللبنانيين، تُبنى الهوية على أسس ثابتة قد لا تتغيّر بمرور آلاف الأعوام ولا تأتيها سنة ولا نوم. فهناك من يعلن، على سبيل المثال، استحالة تأكيد كائن من كان «أن أي عرق غريب أو أي شعب غازٍ تمكّن من أن يسم بنوع خاص بسمته طبائع الشعب اللبناني الأساسية. فمنذ الألف الثالث [قبل الميلاد] كان سكان لبنان، على غرار سكان [منطقة] غرب الشرق الأوسط الأخرى، منذ ذلك الوقت، مزيجاً مركباً، وكانت لديهم صفات عامة مشتركة تشبه إلى مدى بعيد طبائع خلفائهم. فطبائع الشعوب الفينيقية القديمة النفسية والخلقية في خطوطها العريضة هي هي طبائع لبنانيي اليوم»، وسبب ذلك «أن أحوال البلاد الطبيعية أي التضاريس والمناخ والموقع الجغرافي تطبع بسمة مشتركة أخلاق اللبنانيين وعاداتهم ومؤهلاتهم إلى أي عرق أو دين انتموا. هذا الطابع الخاص، وليس العرق أو الدين، هو الذي يميز الشعب اللبناني من شعوب البلدان الأخرى المتاخمة أو البعيدة. إضافة إلى تأثرهم العميق هذا بأحوال الطبيعة يتميز اللبنانيون، في موازاة رغبتهم في العيش المشترك، بـ «عناصر توحيد مهمة ربّما لا نجدها إلاَّ لدى الشعوب الأكثر تجانساً: القرابة الإتنية، اللغة، الثقافة، والنشاط الاقتصادي معاً» 9 . وجلي ما في هذا النص من محاولة لبناء استنتاجات مناقضة للمعطيات الانثروبولوجية في لبنان وفي محيطه المباشر لمصلحة تقديم خطاب أيديولوجي يشدد على «الفرادة»، الشقيق التوأم للثبات.
إن «الحتمية الجغرافية» الرافعة لمعطيات الأرض والطبيعة إلى مصاف العوامل المحددة والوحيدة، والتي يُعتبر جواد بوليس من روّادها، تجد صدىً لها في كتابات المنظّر الأول للكيان اللبناني، ميشال شيحا، القائل إن «لبنان بلاد نسيج وحدها: ذاك أمر بات يتعيّن فهمه بلا مزيد من التأخير. هو بلاد فريدة ليس لها من نظير ولا من مثيل» ليصل إلى حكم خلاصته أن «ليس غير جنون أصحاب النظريات أو عدم نضجهم الفاجع ما يحمل الرغبة في تأليف المختلف وتمهيد ما لا يمهد واتخاذ المادة الانسانية طيناً رخواً تعالجه يدا فاخوري مضطرب، مصاب في عقله» 10 . وشيحا المتذمّر من وجود من لا يزال يشكك في فرادة النسيج اللبناني، محق في رفضه قيام «أصحاب النظريات» بـ«تأليف المختلف»، لكنه هل يشكّل هو استثناء عنهم؟ الجواب متروك لدارسي شيحا، وإنْ كنا نعتقد أنه يمت إلى «أصحاب النظريات» بأكثر من صلة.
لكن ما التفسير الذي يقدمه منحى تثبيت الهوية وتسميرها، على وجود بشر مختلفي الانتماءات على رقعة ضيقة من الأرض؟
يجيب شيحا «ليست اللغة المشتركة ما يصنع الأمة. لا ولا هي وحدة الايمان. ذلك ما تقدم الدليل الساطع عليه عِبَر لا تحصى. وإنما هي فوق كل شيء، الرغبة في العيش سوية وإرادته. وهو ذلك التعلق أو تلك الرابطة، تلك الحمية المكتومة التي تحملنا على حب العيش في صحبة أناس مجبولين من طينتنا نتمسك وإياهم بالحريات نفسها تحت سماء واحدة. وذلك أن العيش المشترك والأغذية الأرضية نفسها واستجابات اللحم والدم الواحدة وعادات الاستقلال الواحدة بالمرافق ويتحادثون دون انقطاع، من شأنها كلها أن تجمع إلى ما وراء الموت» 11

  • Accueil Accueil
  • Univers Univers
  • Ebooks Ebooks
  • Livres audio Livres audio
  • Presse Presse
  • BD BD
  • Documents Documents