أحلم بزنزانة من كرز
80 pages
Arabic

Vous pourrez modifier la taille du texte de cet ouvrage

Obtenez un accès à la bibliothèque pour le consulter en ligne
En savoir plus

أحلم بزنزانة من كرز

-

Obtenez un accès à la bibliothèque pour le consulter en ligne
En savoir plus
80 pages
Arabic

Vous pourrez modifier la taille du texte de cet ouvrage

Description

ظلّ معتقل الخيام رمزاً للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان على مدى اثنين وعشرين عاماً، وبقي بعد تحرير الجنوب عام 2000 شاهداً على هذه الحقبة المؤلمة وذاكرة لها، وهو ما دفع إسرائيل إلى تدميره في أول فرصة في تموز عام 2006 .+++ لم يبقَ اليوم من المعتقل سوى جزء بسيط والكثير من الركام، لذلك كان لا بدّ من إعادة بناء صورة له. ومن هنا كان هذا الكتاب الذي يحكي قصصاً عادية فيها صمود وعناد، وفيها أيضاً جبن وتراجع وخوف، نرويها ونحن نقلّب صور أشياء بسيطة كنا نصنعها سراً، نراها اليوم مضحكة وحتى تافهة لكنها كانت يوم كنا في ذلك المكان طريقة وحيدة لكي نتيقّن بأن الأيام تمرّ وأنها لا بدّ تأخذنا نحو صباح سيعيدنا إلى منازلنا وإلى أسرتنا التي تفوح منها رائحة مسحوق الغسيل والشمس.+++ في هذا الكتاب قصّة معتقل الخيام وقصّة كل من مرّ به ليلة فراح وهو يحملق في الجدار، يتعلّم الغناء...

Sujets

Informations

Publié par
Date de parution 01 janvier 2011
Nombre de lectures 0
EAN13 9786144252703
Langue Arabic
Poids de l'ouvrage 3 Mo

Informations légales : prix de location à la page 0,04€. Cette information est donnée uniquement à titre indicatif conformément à la législation en vigueur.

Exrait

صفحة جديدة
كثيرون ساعدوا على إنجاز هذا الكتاب بطريقة أو بأخرى، لهم نقول شكراً، قد تبدو مقتضبة لطول اللائحة، من دون أن يقلّل ذلك من عرفاننا وتقديرنا الكبير لهم.



صفحة جديدة
معتقل الخيام كان رمزاً للاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان على مدى اثنين وعشرين عاماً (2000-1978)، اعتُقل فـيه الآلاف فـي ظروف شديدة القسوة وفـي انتهاك صارخ لحقوق الإنسان المنصوص عليها فـي الشرائع والمواثيق الدولية.
هذا المعتقل كان فـي الأساس ثكنة بناها الفرنسيون عام 1933 أثناء انتدابهم للبنان، واستخدمها الجيش اللبناني لاحقاً، ثم اختارها الإسرائيليون لتكون معتقلاً تشرف عليه وتديره عبر «ميليشيا جيش لبنان الجنوبي» المتحالفة معها.
قصفته الطائرات الإسرائيلية فـي الأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على لبنان فـي تموز عام 2006 ما أدّى إلى تدميره تدميراً شبه كامل.





هـــذه الصفحــــــات

لا أستطيع تذكر صوت تكسير الأقفال على أبواب زنازيننا فـي تلك الظهيرة الدافئة من أيار عام 2000. كلّما حاولت استعادة تلك الدقائق لا أتذكر إلّا جليداً فـي أطرافـي ووجوهاً تدخل الزنزانة ومعها كمية كبيرة من الضوء الذي لا بدّ كان صاخباً على ما أفترض الآن.
يوم الثاني والعشرين من أيار ذاك بدأ مضطرباً. منذ الصباح لم تنقطع أصوات الدبابات الإسرائيلية المارة فـي سهل الخيام، رحنا نحصيها لكن ما لبثنا أن توقفنا وشُغلنا بمراقبة حركة الحرّاس والحارسات. كان القلق والتوتر واضحين على وجوههم. أبلغونا حوالى الساعة العاشرة أننا لن نخرج إلى فترة الشمس فأدركنا أنّ اليوم يوم حاسم. كنا معزولين تماماً عمّا يجري فـي الخارج بإجراءات صارمة تمنع وصول أية أخبار إلينا، لكن بالرغم من ذلك كنا نعلم أن إسرئيل بدأت بالانسحاب من جنوب لبنان. قبل ثلاثة أسابيع كان موعد زيارة أهلي لي فـي المعتقل. هذه الزيارات كانت مسموحة مرة كل ثلاثة أشهر، وكنت من بين المعتقلين الذين يسمح لهم بمقابلة أهاليهم فـي غرفة بحضور الحرّاس والحارسات لا من خلف شريط شائك. أثناء معانقتي لأختي مودّعة همست فـي أذنها دون أن أتأكد من أنها سمعت ما أقول» : إذا بدأت إسرائيل الانسحاب أرسلي لي تفاحةً صفراء«. كان مسموحاً للأهل إرسال أغراض وحاجيات أساسية كالثياب والدواء والسجائر وبعض الفواكه مرتين فـي الشهر، وبما أنني لا أحب من التفاح إلّا الأحمر، كان أهلي يرسلون لي دائماً بين الفواكه تفاحتين حمراوين، لكن فـي التاسع عشر من أيار ذاك وصلتني تفاحتان صفراوان.
أفرحنا لون التفاحتين لكنه جعلنا فـي حالة قلق وخوف كبيرين، فهل سيتم الانسحاب دون مواجهات وإراقة للدماء؟ ماذا سيحل بنا؟ هل سينقلون بعض الأسرى إلى إسرائيل؟ هل سيتركوننا لميليشيا جيش لبنان الجنوبي تقرّر مصيرنا؟
عندما أبلغتنا الحارسات أننا لن نخرج إلى فترة الشمس ذلك اليوم تجهّمت وجوهنا، ولم تستطع أية واحدة فـينا الجلوس ثلاث دقائق متواصلة، كنا نروح ونجيء فـي الزنزانة ويزيد توتر بعضنا توتر البعض الآخر.
عند الظهر بدأنا نميّز أصواتاً صادرة عن مكبّر للصوت لكنها كانت غير واضحة فزادتنا قلقاً. بعدها بقليل رأينا الحارستين تغادران قسم النساء مع حقيبتيهما، وما هي إلّا لحظات حتى بدأ إطلاق نار ممتزجاً بآيات تكبير آتية من قسم الرجال ثم بصراخ زميلاتي الثلاث » إنهم يقومون بتصفـية الأسرى « كانت نجوى تصرخ منادية ابنها وزوجها المعتقلين فـي قسم الرجال وتلاقيها سوسن منادية أباها المعتقل أيضاً وأسمهان تحاول تهدئتهما، أما أنا فكنت مسمّرة وراء النافذة ولم أعد أسمع شيئاً، غابت كل الأصوات عنّي. بعد دقائق دخل شاب إلى قسم النساء، وجهه كان عدائياً، أو هكذا بدا لي فـي تلك اللحظات، راح يدخل ويخرج من الزنازين الفارغة المقابلة لزنزانتي وكأنه يبحث عن شيء، نظر إليّ وراء النافذة ولم ينطق بأية كلمة. أظن أن جسدي فقد فـي هذه اللحظات حرارته بالكامل. شعرت بتيّبس وببرودة فظيعة فـي أطرافـي، وبخوف كخوف من سيعدم بعد لحظات.
استعدت إدراكي لحظة رأيت أطفالاً يركضون بين أرجل الشبّان أمام باب زنزانتي الذي انفتح دون أن أتنبّه إلى أنهم كانوا يكسرون القفل.
لم أقفز لمعانقة رفـيقاتي ولم أرّد على تهاني الناس لي بالسلامة، لم أبتسم حتى، شعرت فقط بحاجة كبيرة لأن أكون فـي مكان وحدي وأدخّن سيجارة.
بعد خروجي من المعتقل بثلاثة أيام التقيت صدفة بالشاب الذي كان أول الداخلين إليه، ألقيت عليه التحية بحرارة لكنه نظر إليّ متسائلاً من أكون؟ أوضحت له قائلة إني الفتاة التي كنت وراء نافذة الزنزانة، فأجابني آه لم أعرفك ربما لأنك كنت تضعين «ماسك» (قناعاً( أبيض على وجهك.
ماسك أبيض؟ تمتمت وابتعدت.
أكره المعتقل، أظن أنني كنت فـي قرارة نفسي أتمنى أن يدمّر، أن يُمحى ولا يبقى له أثر. فـي المرّات القليلة التي عدت فـيها إليه بعد خروجي منه، مرغمة لارتباطات مهنية، أصبت بعد زيارتي الأولى بانهيار عصبي، ظننت أن الأمر طبيعي بما أنني أدخل زنزانتي لأول مرة منذ خروجي منها، لكن فـي زيارتي الثانية أغمي عليّ وكنت أنظر بارتياب كبير وبشيء من الحسد إلى سهى، تتنقل بنشاط بين الزنازين شارحة لمرافقيها وللمصوّرين عن المكان.
يجب أن أقول إنني شخص يخاف كثيراً ويشعر بالشجاعة أحياناً فقط، وفـي المعتقل، حتى بعد مرور صباحات كثيرة ظلّ شعوري عندما أستيقظ شعوراً بالكارثة وكأنّها حدثت للتو. كنت أستيقظ كأرملة حديثة العهد. ومنذ خروجي من المعتقل لم أشأ قط الكتابة عن هذا المكان. فـي الحقيقة لا أحبّ قصص المعتقلين، أشعر بضيق عندما يروونها بكدر وأسى أحياناً وبمباهاة غريبة أحياناً أخرى، وكانت سهى كلّما أثارت موضوع الكتابة معي أشعر برغبة ملحة فـي النوم. إلى أن كانت الحرب الإسرائيلية على لبنان فـي تموز 2006، حيث دمّرت المقاتلات الإسرائيلية جزءاً كبيراً من المعتقل، فبات لدى سهى حجة قوية لإقناعي بالكتابة: علينا أن نكتب لإعادة بناء صورة هذا المكان. وبنشاطها المعهود الذي غالباً ما يشعرني بالتعب والإعياء أخرجت عدة العمل: ملف للمادة الأولية للكتاب وصور للأشغال اليدوية التي كان يصنعها المعتقلون سرّاً قبل سماح إسرائيل للجنة الدولية للصليب الأحمر بدخول المعتقل عام 1995 وقالت «موافقة سلفاً على كل حرف تكتبينه وعلى شكل وأسلوب الكتابة الذي تختارينه». كانت تظن أنّها بهذا تسهلّ عليّ المهمة. لكنني سأبقى فترة طويلة لا أعرف ماذا عساني أكتب عن هذا المكان ولا كيف أروي قصة سهى وقصص الذين مرّوا فـيه متسائلة وما أزال: ترى من يريد أن يستمع بعد؟.
فـي النهاية كتبت هذه الصفحات. كتبتها لا تمجيداً لبطولات ولا إنكاراً لأيام الجبن العادي. فقط، ونحن نسير، سهى وأنا والأخريات، إلى »تطبيع« حيواتنا أردت أن أترك ما يشبه تلك الأوراق الصفراء الصغيرة اللاصقة ( post.it) التي نكتب عليها ملاحظات أو أموراً يجب ألا ننساها، أردت أن أترك ما يشبه تلك الأوراق عن تفاصيل بعض ما عشناه فـي معتقل الخيام، ذلك أنه لم يتسنَّ لنا الحفر على جدرانه كما يفعل السجناء عادة كما أن هذه الجدران لم تعد موجودة.
كوزيت إبراهيم، باريس 2010




بــــدايــــــــة

أخيراً بدأ يقلد الكلب.
رفض بداية. مرّ وقت لا بأس به قبل أن يبدأ بإصدار صوت يشبه نباح الكلب.
لم يعد يعاند أوامر المحقق. المحقق يهدّده بالتعليق على العمود مجدّداً وبالكهرباء و«القن» 1 .
آه, القن شيء مرعب لا يريد العودة إليه. فـي القن لا يستطيع الوقوف لأن السقف منخفض جداً، ولا يمكنه مد رجليه لأنه صغير جداً، عظامُه لن تحتمل بعد وضعية كهذه.
سيقلد الكلب، فهو لم يعد يحتمل الكهرباء تداهم كل تفاصيل جسدِه. لن يحتمل صعقة كهرباء أخرى بعد رميه بالمياه الباردة والساخنة. لن يحتمل أن يطير جسده مرة جديدة ويرتطم بالجدار. لم يعد يحتمل الجلد. جراح آخر جولة بالسوط ذات المسامير تؤلمه. ولن يحتمل ساعات أخرى معلقاً على العمود. يداه فـي حالة وهن شديد والهواء شديد وكأنه متواطئ معهم. أسنانه ما زالت تصطك بطريقة عصبية لا يمكن التحكم بها.
لا، سيقلد الكلب. حسم أمره بالرغم من المهانة الكبيرة. لكن المسألة لم تعد هنا. المسألة أن الصوت لا يخرج. شيء ما فـي داخله يكتم الصوت. يمنعه من الخروج.
يجبر نفسه على ذلك: سأقلد الكلب وأعود إلى زنزانتي وأبكي.
لكنهم بعد أن قلد الكلب بدأوا جلده من جديد.
الآن نسمع صراخه. وعندما يعيدونه إلى زنزانته سيسمع هو صراخ معتقل آخر. صراخ متقطع، مخنوق، يستغيث لعلَّ رحمة السماء تنزل عليه.
المحقق يريد أجوبة. جواباً لكل سؤال يطرحه. يعذب ويجلد ويسخر ويشتم، وعندما تدرك أن لا سماء ولا أحد قادر على انتشالك من هذا العذاب، تحاول إعطاء أجوبة. أحياناً تعطيه الجواب الذي يطلبه وإن لم يكن صحيحاً.
بعضنا اعترف تحت هول التعذيب بتهريب الصواريخ وحفر الخنادق وتموين المخازن بالأسلحة وبنقل الرسائل للمقاتلين، وإطعام المقاومين... تعترف بما لم تفعله أو بأكثر مما فعلته، تريد فقط أن يتوقف الألم. فلا شيء يشفع لك فـي ذلك المكان. حتى التخلف العقلي لن يحمي صاحبه.
وفـيقة 2 متخلفة عقلياً. كل ما فـيها يشي بذلك: مظهرها، حركاتها، حديثُها.
يتّهمون وفـيقة بأنها زرعت عبوة ناسفة.
وفـيقة لا تدرك شيئاً مما يدور حولها. تسأل: ما هذا المكان؟ مأوى للعجزة؟
فـي الخيام، عندما يعيدونك إلى زنزانتك الباردة بعد جولة تعذيب، تشعر بأن شيئاً فـي مكان بعيد فـيك يبكي بمرارة. مرارة من تركه الناس جميعاً فـي هاوية عميقة.
تجمع نفسك، تلملم أطرافك الزرقاء، وفـي لحظة ما تسعى إلى ملامسة أعلى ما فـي قمّة النفس، محاولاً التقاط بقايا طفولة بعيدة.



1 القن هو عبارة عن زنزانة انفرادية, يبلغ ارتفاعها 80 سم, أما الطول والعرض فـيبلغان 60x60 سم.

2 وفـيقة علَّيق من يحمر, اعتقلت فـي معتقل الخيام عام 1991 لمدة شهر.



فـــي أحـــــد الأيّــــــــام

أنا الآن فـي صندوق سيارة، فـي قدمي اليسرى شوكة وبي رغبة كبيرة فـي النوم.
قبل ساعة ونيّف أطلقت النار على قائد «ميليشيا جيش لبنان الجنوبي» أنطوان لحد. كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما دخلت إلى منزله بحجة إعادة مفاتيح النادي الرياضي الذي اعتمدتني فـيه زوجته مينيرفا، مدرّبة رياضية للنساء. خلال فترة عملي معها استطعت كسب ثقتها، ومع الوقت صرت أدخل إلى منزل لحد دون تفتيش. دخلت قبل ساعتين وفـي حقيبة يدي مسدس من عيار 7 ملم. كان لحد هناك يتابع نشرة الأخبار مع زوجته وصديقه سيزار صقر وزوجته. فتحت الحقيبة وبدل أن أخرج مفاتيح النادي الرياضي أخرجت المسدس، صوبته باتجاه لحد وأطلقت طلقتين، وها أنا الآن فـي صندوق سيارة، فـي قدمي اليسرى شوكة وبي رغبة كبيرة فـي النوم وهو أمر يمكنني القول إنّه يخرج تماماً عن حساباتي. فأنا أطلقت النار وانتظرت أن يخترق الرصاص جسدي، أن أُقتل، كنت على يقين بأن ردة فعل حراس لحد ستكون بإطلاق الرصاص عليّ ما إن أنفذ العملية لكن ذلك لم يحدث. بعد إطلاقي النار صرخ أحدهم لا تطلقوا النار عليها ورمى نفسه باتجاهي، مّرر يديه بسرعة على كامل جسدي ليتأكد من أنني لا أحمل شيئاً تحت ثيابي ثم جرّني إلى غرفة مجاورة, حيث تسلّمني مسؤول الحرس, وضع قيداً بلاستيكياً فـي معصمي، نزع حذائي ووضع كلبجة حديدية فـي كاحلي وبدأ بجلدي على وقع سؤال واحد مطعّم بكل الكلمات النابية: من معك ... يا ...
لم يتأخر الإسرائيليون فـي الوصول فثكنة مرجعيون مجاورة لبيت أنطوان لحد. نظروا إليّ وخرجوا. بعدها وضعوا كيساً فـي رأسي واقتادوني إلى الخارج ورموا بي فـي صندوق السيارة. فـي عتمة الصندوق شعرت بوخز الشوكة التي انغرزت فـي قدمي وتنبهت إلى تلك الرائحة البنّية المنبعثة من الكيس فـي رأسي فتذكرته. تذكرت «الرجل الكحلي» الذي رأيته قبل شهرين عند مدخل مستشفى مرجعيون أثناء زيارتي لعمتي المريضة. كان عنصر من ميلشيا جيش لبنان الجنوبي يجرّه وهو يتلمّس الأرض تحت قدميه، مقيّد اليدين، فـي رأسه كيس وفوق الكيس عصبة على العينين، يرتدي بنطلوناً كحلياً وقميصاً كحلياً. أدركت أنّه أحد معتقلي «الخيام»، وعندها فقط راودتني لأول مرّة فرضية أن أعتقل، لكنني ما لبثت أن نسيت الأمر ولم أتذكره إلّا الآن وأنا فـي صندوق السيارة، فـي قدمي اليسرى شوكة تخزني وبي رغبة كبيرة فـي النوم.
نمت. نمت ولم أستيقظ إلّا عندما توقفت السيارة. أخرجوني من الصندوق ونقلوني إلى سيارة أخرى لكنهم أجلسوني هذه المرة فـي المقعد الخلفـي ونزعوا الكيس عن رأسي عندما اجتزنا بوابة فاطمة ودخلنا الأراضي الإسرائيلية. كان فـي المقعد الأمامي عيد مسلّم، مسؤول أمن منطقة مرجعيون، نظر إليّ وسألني: هل عرفتِني؟ قلت: لا. (بعد عشر سنوات سيكون عيد مسلّم فـي المقعد الأمامي للسيارة التي أقلتني يوم الإفراج عنّي فـي أيلول 1998 وسيسألني: هل عرفتِني وسأجيب لا).
لم تطل جولة التحقيق فـي إسرائيل التي أجراها ضابط إسرائيلي يتكلم عربية مكسرة، وانتهت بفقداني رصّة ضرسي جرّاء لطمة قوية على وجهي وبقرار إرسالي إلى «الخيام».
عندما وصلنا إلى الخيام كانت رائحة الكيس فـي رأسي، تلك الرائحة البنّية، قد أصبحت أكثر كثافة فمثل «الرجل الكحلي» أمامي مجدداً. كان هناك يشاهد ارتباكي فـي اللحظات الأولى عندما نزعت عنّي ثيابي للتفتيش، يراقب خوفـي وهم يضعون «العضاضة» 3 فـي فمي، كان يقول لي: أعلم، لا داعي للشرح، اصمدي، فانهمرت عليّ صعقات الكهرباء.



3 العضاضة هي عبارة عن قطعة من الإسفنج يتّم وضعها فـي الفم أثناء التعذيب بهدف خنق الصوت، فـيتحوّل الصراخ إلى ما يشبه العواء أو الأنين المخنوق.



فستـــــان ليلكــــــي...

الثامن من تشرين الثاني 1988. صباحي الأول فـي المعتقل. ما زلت على قيد الحياة.
أفكاري تذهب مباشرة إليها. أنا متأكدة من أنهم سيعتقلونها. اعتقال الأمهات والآباء والزوجات وحتى الأولاد، كان طريقة ناجحة أحياناً للضغط على المعتقلين. أي قلب ذاك الذي يحتمل فكرة تعرّض كهل أو والدة متعبة أو زوجة للتعذيب. تمنيت لو أنها لم تكن فـي تلك الفترة فـي المنطقة المحتلة...
سعالها الصباحي أتاني ذلك اليوم، تماماً كما كان يصلني فـي المنزل. كان قريباً جداً. أشعر بأنني أهذي. فـي اليوم الرابع رأيت فستاناً ليلكياً معلقاً فـي الحمام، إنه فستان أمي، إنها هنا لا مجال للشك، إنها هنا، قريبة جداً...
عندما رأيت فستانها الليلكي معلقاً فـي ذلك المكان الموحش والرهيب، أدركت أنني عبثتُ بهدوء أيامها، وبأحلامها الصغيرة، فهي على الأرجح لم تسعَ يوماً إلى شيء كبير، كانت ككل الأمهات تريد أن تربي أطفالها وأن تعلمهم أن يكونوا مهذبين وسعداء...
كان يبدو لي دائماً أن أمي 4 ، صاحبة البنية والشخصية القويتين، تجيدُ القيام بكل الأعمال وإن كانت تحب الخياطة خصوصاً، وتردّد أن الشيء الوحيد الذي فشلت فـي تعلّمه هو حياكة الكروشيه.

  • Accueil Accueil
  • Univers Univers
  • Ebooks Ebooks
  • Livres audio Livres audio
  • Presse Presse
  • BD BD
  • Documents Documents